اسطورة

من أساطير العرب في الجاهلية

يتهم بعض الباحثين العرب بفقر الخيال, ويؤكدون أنهم لايعرفون الأساطير, ولكن الواقع التاريخي يشهد على خلاف ذلك ,

فقد عرف العرب الأساطير , بأنو اعها المختلفة من أساطير كونية,وأخرى دينية وثالثة طقسية,مثلهم مثل سائر الشعوب في العالم , فما من شعب إلا له أساطيره…‏

والأسطورة هي تفسير خيالي عاطفي انفعالي وغير علمي لظاهرة من ظواهر الكون أو المجتمع أو الحياة,وقد تكون الأسطورة ذات أصل تاريخي في الواقع ولكن يضاف إليها كثير من الأخبار مما يحولها الى أسطورة مثل شخصية المهلهل أو عنترة ,فكل منهما شخصية حقيقية وجدت في التاريخ ولكن الخيال الشعبي أضاف إليها ما حولها الى شخصية أسطورية..‏

وأساطير العرب منوعة تنوعاً كبيراً فمنها أسطورة شقائق النعمان, وهي تروي أن النعمان بن المنذر كان ملكاً على الحيرة , وخرج ذات يوم من أيام الربيع الى البرية , فرأى زهوراً حمراء متفتحة , فأمر جنده أن يحيطوا بها ليحموها من أيدي العابثين , فسميت تلك الورود شقائق النعمان أي أخوات النعمان , والنعمان أيضاً هو الدم, ويبدو أنها سميت شقائق النعمان بسبب لونها الأحمر المشابه للدم, وقد وضعت هذه الأسطورة لتفسير تسمية ذلك الزهر , فهي أسطورة ذات باعث لغوي محض .‏

ويروى أيضاً أن النعمان نفسه قد أمر أحد المهندسين ببناء قصر عظيم , أسماه الخورنق , ولما أتم بناءه , أخبره المهندس أن في القصر حجرة لو رفعت من موضعها لهدم القصر كله , فسأله النعمان إن كان أحد غيره يعرف موضعه فأجابه : لا فدفعه من أعلى القصر فمات, وكان ذلك المهندس يدعى سنمّار , لذلك قيل في المثل جزاه جزاء سنمّار, وهذه الأسطورة تدل على اعتقاد الناس أن الإبداع يتعلق بنقطة واحدة, وأن السر كله يكمن في جزء من كل , وهذه هي طبيعة التفكير الأسطوري الذي لايرد الإبداع الى عوامل وأسباب مختلفة.‏

ومن أساطير العرب أنهم كانوا يتخيلون وادياً تسكنه الجن, يسمى وادي عبقر , ولذلك ينسب كل مبدع الى ذلك الوادي فيقال عنه عبقري , كما كانوا يتخيلون أن لكل شاعر شيطاناً من الجن يلقي إليه بالشعر, ويسمى ذلك الشيطان الرئي , بتشديد الياء, وهذه الأسطورة محاولة لتفسير الإبداع الذي يصعب تفسيره, إذ يفسر تارة بالموهبة, وأخرى بالتعلم وثالثة بالخبرة والتدريب, وإذا الأسطورة تفسره بالجن لأن الناس يظنون أن لدى الجن قوى خارقة.‏

وكان العرب يتخيلون الروح في شكل طائر , فإذا قتل القتيل حامت روحه في الحي على شكل طائر يدعى الهامة, ويظل هذا الطائر يزقو أي يصيح, ولايستقر حتى يتم الأخذ بالثأر للقتيل, ويسمى ذلك الطائر الصدى أيضاً , وتشبيه الروح بطائر قديم في التاريخ الإنساني إذ تصور المصريون الروح في عهد الفراعنة على شكل طائر يغادر الجسد.‏

ومن أساطير الطير أنهم تخيلوا وجود طائر هو العنقاء وكان يبني عشه في رأس نخلة , كل مئة عام مرة, ثم يحترق في عشه , ومن رماده ينبعث طائر جديد , وهو رمز لقدرة الأمة العربية على التجدد والانبعاث .‏

ومن أساطيرهم أيضاً قصة لقمان وهو غير لقمان الحكيم الذي ورد ذكره في القرآن الكريم , ويروى أن لقمان في الأسطورة قد عاش عمر سبعة نسور, وكل نسر كان يعيش ثمانين عاماً, وكان آخر هذه النسور يدعى ” لبد” وقد مات لقمان في الأسطورة مع موت هذا النسر, ويبدو أن العرب رأوا في النسر القوة فظنوا أنه يعيش ثمانياً عاماً أو مئة , وقد عبدوا النسر في العصر الجاهلي, وصنعوا له تمثالاً على شكله, كما تدل الأسطورة على اعتقادهم بخلود الفكر وطول عمره بخلاف الجسد الذي يموت ويفنى..‏

ومن أساطيرهم أسطورةرجل يدعى شق والآخر يدعى سطيح, وكان شق شطر رجل , بيد واحدة ,ورجل واحدة وشق واحد, وكان حكيماً وكان سطيح رجلاً ليس فيه عظم,بل كان كتلة من لحم, وكان رأسه في صدره, وكان كلٌ من الرجلين حكيماً ينطق بالحكمة, وكانا في مكانين متباعدين من الجزيزة العربية, وكانا إذا سئل أحدهما أجاب بمثل مايجيب الاخر, على الرغم من بعد المسافة بينهما , ويروى أنهما ماتا في السنة التي ولد فيها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبدو أن العرب رأوا الجسد يضعف ويموت , ورأوا الفكر يبقى ويخلد ولذلك رأوا قوة العقل والفكر ليست في الجسد فكأن الجسد يتناقض مع العقل وقد قال الشاعر:‏

لاخير في طول الجسوم وعرضها‏

مالم يزن حسن الجسوم عقول‏

وقال زهير بن أبي سلمى:‏

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده‏

فلم تبق إلا صورة اللحم والدم‏

ومن أساطيرهم في العصر الجاهلي أنهم كانوا يأتون بثور, ويربطون أغصان الشجر اليابسة في ذيله, ثم يرقون به الى جبل, ويوقدون النار في الأغصان اليابسة, يطلبون بذلك المطر, وهم يمثلون بذلك الطبيعة , إذ يرمزون بالثور الى القمر وبالدخان الى الغيم وبالنار الى البرق ويتوهمون أن السماء لابد أن تعطف على القمر المتمثل في الثور يغطيه الدخان أو الغيم فينزل المطر , وينجلي الغيم ويظهر القمر.‏

ومن أساطيرهم قصة زرقاء اليمامة وهي امرأة حادة البصر كانت ترى على مسيرة ثلاثة أيام , وقد رأت جيشاً فحذرت قومها فلم يصدقوها, وإذا هم يتفاجؤون مع الصباح بغارة شعواء,وهي في الواقع أسطورة, وإن كانت قد اتخذت شكل التاريخ وكثير من الرواة يعدونها تاريخاً وواقعاً ولكنها أسطورة في شكل تاريخ مبالغ فيه, وهي تدل على قدرة المرأة على أن تكون ناصحة لقومها ومفيدة لهم, ولكن المجتمع الجاهلي غالباً ما كان لايقدر المرأة ولايأخذ برأيها , وبذلك اخترعت أسطورة زرقاء اليمامة لتؤكد إمكانية بعد النظر عند المرأة ورجاحة العقل , وقوة التفكير وحسن النصيحة والتدبير.‏

و من يتصفح كتب الأدب يجد كثيراً من القصص والأخبار والأساطير التي تدل على خيال العربي الواسع, كما تدل على تفكيره بأسلوب رمزي فيه غنى وعمق وفي مثل تلك الأساطير دلالات ورموز قابلة لقدر كبير من التأويل والتفسير .‏

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى