شرائح رئيسيةفضاء

يبدو أن جارتنا المجرة أندروميدا أصغر سنًا من كوكب الأرض!

لطالما نظر الفلكيون إلى سماء الليل منذ العصور القديمة، وأمعنوا في النظر إلى مجرة المرأة المسلسلة أو أندروميدا. وباعتبارها أقرب المجرات منّا، فقد تمكّن العلماء من مراقبة ودراسة هذه المجرة الحلزونية العملاقة لآلاف السنين. وبحلول القرن العشرين، أدرك علماء الفلك أن مجرة أندروميدا كانت المجرة الشقيقة لمجرّتنا درب التبانة، وأنها تتحرك نحونا.

وفي غضون 4.5 مليار سنة، سوف تندمج مع مجرتنا لتكوين مجرة فائقة super galaxy. ومع ذلك، يبدو أن علماء الفلك قد كانوا مخطئين بشأن مجرّة أندروميدا في أحد الجوانب الرئيسة. وفقًا للدراسة الأخيرة التي قادها فريق من علماء الفلك الفرنسيين والصينيين، فإن هذه المجرة الحلزونية العملاقة قد تشكّلت من اندماج كبير حدث منذ أقل من 3 مليارات سنة.

وهذا يعني أن المرأة المسلسلة، كما نعرفها اليوم، هي أصغر سنًّا من نظامنا الشمسي، الذي بدأ التكّون منذ نحو 1.5 مليار سنة! وفقًا لمراقبات جديدة ومحاكاة عددية، فقد قرر العلماء أن مجرة المرأة المسلسلة قد تشكلت بسبب حدوث اصطدام حديث.

ظهرت الدراسة، التي تحمل عنوان “نموذج الاندماج الرئيس لمجرة أندروميدا وضواحيها ذو الـ 2-3 مليارات سنة “، مؤخرًا في الإشعارات الشهرية لمجلة الجمعية الفلكية الملكية بقيادة فرانسوا هامر Francois Hammer. مع العلم بأن هامر هو الباحث الرئيس في قسم المجرات والنجوم والفيزياء والآلات، اختصارًا (GEPI)، في مرصد باريس. كما ضمّ الفريق أعضاء من الأكاديمية الصينية للعلوم ومن جامعة ستراسبورغ. اعتمد الباحثون من أجل دراستهم على البيانات التي جمعتها الدراسات الاستقصائية الأخيرة، والتي أظهرت وجود اختلافات كبيرة بين مجرتي أندروميدا ودرب التبانة.

حيث أظهرت أولى هذه الدراسات التي أجريت بين عامي 2006 و2014، أن مجرّة أندروميدا تمتلئ في قرصها بالنجوم الزرقاء الشابة (تبلغ سنّ القرص أقل من مليارَيْ سنة) وتخضع هذه النجوم لحركات عشوائية على نطاق واسع. وهذا يتناقض مع النجوم الموجودة في قرص مجرتنا درب التبانة، والتي لا تخضع إلا للدوران البسيط. بالإضافة إلى ذلك، أشارت الأرصاد المكثّفة التي أجريت بين عامي 2008 و2014 بواسطة التلسكوب الفرنسي الكندي الواقع في جزر هاواي، اختصارًا (CFHT)، إلى بعض الأمور المُثيرة للاهتمام حول هالة مجرة أندروميدا.

حيث يسكن هذه المنطقة الشاسعة، التي يبلغ حجمها عشرة أضعاف حجم المجرة نفسها، تيارات ضخمة من النجوم. ويطلق على أبرزها “النهر العظيم” Giant Stream، وهو قرصٌ ملتوٍ يحتوي على صدوع وتكتلات عند حوافه القصيّة. وقد قام العلماء من التعاون الفرنسي-الصيني، عن طريق استخدام هذه البيانات، بإنشاء نموذج رقمي تفصيلي لمجرة أندروميدا باستخدام أقوى حاسوبين مُتاحين في فرنسا، وهما مرصد باريس (MesoPSL) والحاسوب الفائق IDRIS-GENCI التابع للمركز الوطني للبحث العلمي (CNRS).

وباستخدام نتائج النموذج الرقمي، تمكّن الفريق من إثبات أن هذه الملاحظات الأخيرة يُمكن أن يفسّرها فقط حدث الاندماج العظيم الذي تسبب في تشكل المجرة. استنتج العلماء بصورة أساسية أنه منذ 7 و10 مليارات سنة خلت، كانت مجرة أندروميدا عبارة عن مجرتين منفصلتين تلاقتا ببطء من أجل تحقيق مدار موحّد. وبعد تعديل المسارات المحتملة للمجرتين، فقد تقررّ أن المجرتين قد تصادمتا منذ 1.8 إلى 3 مليارات سنة مضت.

هذا التصادم هو ما نتج عنه مجرة أندروميدا كما نعرفها اليوم، مما يجعلها أصغر سنًا من نظامنا الشمسي، الذي بدأ بالتشكّل منذ 4.6 مليار سنة تقريبًا.   كما تمكّن الباحثون علاوة على ذلك، من حساب توزيعات الكتلة لكل من المجرتين الأم اللتين اندمجتا لتكوين مجرة أندروميدا. وقد نتج عن ذلك معرفة أن حجم المجرة الكُبرى في عملية الاندماج قد كان أضخم بأربعة أضعاف حجم المجرة الصغرى. والأهم من ذلك، كان مقدرة الفريق على عمل محاكاة تفصيلية لجميع المكونات الهيكلية التي تتكون منها مجرة أندروميدا اليوم، بما في ذلك الانتفاخ المجرّي والشريط والقرص الضخم، بالإضافة إلى وجود النجوم الشابة.

يُعزى وجود النجوم الزرقاء الشابة في قرص المجرة أندروميدا -الذي ظل دون تفسير حتى الآن- إلى فترة التشكل المكثف للنجوم التي حدثت بعد الاندماج المجرّي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن التيارات المجرّية مثل “النهر العظيم” وأصداف الهالات تنتمي إلى المجرة الأم الصُغرى، في حين أن التكتلات المنتشرة والطبيعة المشوشة للهالة كانت مستمّدة من المجرّة الكُبرى.

وقد فسّرت دراستهم أيضًا سبب احتواء معالم المجرّة الصغرى على عددٍ قليل من العناصر الثقيلة مقارنةً بالمجرات الأخرى (أي إنها كانت أقل ضخامة لذا فقد شكّلت عناصر ونجومًا ثقيلة أقل).  تُعتبر هذه الدراسة ذات أهمية كبيرة عندما يتعلق الأمر بتكّون المجرات وتطورها، والسبب في ذلك يرجع بشكل أساسي إلى كون هذه المحاكاة هي أول محاكاة عددية من نوعها نجحت في إعادة إنتاج مجرّة بمثل هذه التفاصيل. ومن المهم أيضًا معرفة أن اندماجًا مجرّيًّا حديثًا نسبيًّا كهذا يُمكن أن يخلّف آثارًا من المواد في المجموعة المحلية للمجرات. بعبارة أخرى، يمكن أن يكون لهذه الدراسة آثارٌ تتجاوز حدود جوارنا المجري.

كما أنها خير مثالٍ لمدى تأثير الأدوات -التي تتطور بشكل متزايد- على عمليات الرصد الأكثر تفصيلًا، والتي عند دمجها مع الحواسيب والخوارزميات التي تتطور باستمرار، فإنها تؤدي إلى الحصول على نماذج أكثر تفصيلًا. ولا يسع المرء في هذا المقام إلا أن يتساءل عما إذا كانت الكائنات الذكية خارج الأرض ستستخلص في المستقبل البعيد استنتاجاتٍ مماثلة حول مجرّتنا عندما تندمج مع مجرة أندروميدا، بعد مليارات السنين من الآن.

ومن المؤكد أن عملية التصادم المجرّي والمميزات الناتجة عنها ستثير اهتمام أي نوع متقدّم من أشكال الحياة ربما يكونُ موجودًا في الجوار لدراستها!     المجوعة المحلية Local Group: هي عبارة عن عنقود مجرّي يضم مجرة درب التبانة ومجموعة المجرات القريبة من مجرتنا درب التبانة. وتضمّ المجموعة المحلية أكثر من 54 مجرة، معظمها مجرات قزمة. ويقع مركز هذه المجموعة بين المجرة الكبيرة المرأة المسلسلة، التي تبعد عنا نحو مليونَيْ وخمسة ملايين سنة ضوئية، وبين مجرة درب التبانة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى