فضاء

اكتشاف مسارات محتملة لصنع لبنات الحياة البنيوية في الفضاء

يقدم لنا الفنان حزام كويكبات يدور حول نجم ما. وفي دراسة جديدة، اكتَشفت عدة تجارب أُجريت في مختبر بيركلي مساراتٍ كيميائيةً محتملة يمكنها أن تُشكِّل الهيدروكربونات المعقدة -مثل التي وجِدت في بعض العينات النيزكية- في الفضاء.

استعان العلماء بالتجارب المخبرية لتتبع الخطوات الكيميائية المؤدية إلى تشكّْل الهيدروكربونات المعقدة في الفضاء، كاشفة عن مسارات لصُنع بُنى نانونية ثنائية الأبعاد بالاعتماد على الكربون في مزيج من الغازات الساخنة.

يمكن للدراسة الأخيرة، التي تضمنت التجارب التي أُجريت مؤخرًا في قسم الطاقة التابع لمختبر لورانس بيركلي القومي Department of Energy’s Lawrence Berkeley National Laboratory (مختبر بيركلي Berkeley Lab)، أن تساعد في تفسير وجود البيرين Pyrene، وهو مركب كيميائي يُعرف بـ “الهيدروكربون الأروماتيّ متعدد الحلقات “Polycyclic Aromatic Hydrocarbon”، والمركبات المماثلة في بعض النيازك.

وقد شارك فريق من العلماء مكوّن من باحثي مختبر بيركلي وجامعة كاليفورنيا في بيركلي UC Berkeley في تلك الدراسة التي نُشرت في 5 مارس/ آذار في مجلة نيتشر الفلكية Nature Astronomy.

وقاد الدراسةَ مجموعةُ علماء من جامعة هاواي University of Hawaii في مانوا Manoa ، بالاشتراك مع مجموعة من الكيميائيين النظريين من جامعة فلوريدا الدولية Florida International University.

وفي هذا السياق، قال مُساعد أحمد Musahid Ahmed، العالِم في قسم العلوم الكيميائية التابع لمختبر بيركلي الذي انضم مؤخرًا لأعضاء الفريق لأداء التجارب على المصدر الضوئي المتطور Advanced Light Source (اختصارًا: ALS)، التابع لمختبر بيركلي، قال: “نحن على يقين من أنّ ذلك هو المسار الذي تطورت من خلاله البُنى الأوليّة القائمة على الكربون في الكون”.

وأضاف أثناء تصريحه: “بدءًا من الغازات البسيطة، يمكنك توليد بُنى أحادية وثنائية الأبعاد، وعلى أثر ذلك يمكن أن يؤول بك البيرين إلى الغرافين Graphene ثنائي الأبعاد”. وتابع قائلًا: “ومن هنا يتسنّى لك الوصول إلى الغرافيت Graphite، وما تلبث أن يبدأ تطوّر علم الكيمياء الأكثر تعقيدًا”.

ويحظى البيرين ببنية جزيئية تتألف من 16 ذرة كربون و10 ذرات هيدروجين، فعلى سبيل المثال وجد الباحثون أن نفس العمليات الكيميائية الحرارية التي تؤدي إلى ارتفاع تشكُّل البيرين، على علاقة هي الأخرى بالعمليات الاحتراقية في محركات المركبة، وتشكُّل جزيئات السخام. كما تعتمد الدراسة الأخيرة على الأعمال السابقة التي قامت بتحليل الهيدروكربونات ذات الحلقات الجزيئية الأصغر التي لُوحظ وجودها في الفضاء، وكذلك في قمر زحل “تيتان” Titan، ويشير هنا إلى البنزين Benzene والنفتلين Naphthalene.

وصَرَّح رالف آي. قيصر Ralf I. Kaiser، أحد مؤلفي الدراسة الرئيسيين وأستاذ علم الكيمياء في جامعة هاواي في مانوا: “عندما شُوهدت الهيدروكربونات في الفضاء لأول مرة، كان الناس متحمسين للغاية. وطُرِحَ السؤال حول كيفية تشكُّلها”. فهل تشكَّلت ببساطة عبر سلسلة من التفاعلات ضمن مزيج من الغازات، أم أنها تشكَّلت على سطحٍ مائيّ مثلًا؟   وتعليقًا على هذا الأمر، قال أحمد أنّ هناك تفاعلًا وانسجامًا متبادلًا بين علماء الفلك والكيميائيين ضمن إطار العمل الرصديّ الذي يسعى لإعادة سرد قصة كيفية تشكُّل المولدات الكيميائية للحياة في الكون.

وقال أحمد: “كثيرًا ما نتحدث مع علماء الفلك لأننا في حاجة إلى مساعدتهم في معرفة كُنْه ما هو متواجد في الخارج”، وتابع قائلًا: “ويلفتُ ذلك انتباهنا للتدبر في الكيفية التي أتت بها إلى هنا”.

وعلى الجانب الآخر، أشار قيصر إلى إمكانية مساعدة الكيميائيين الفيزيائيين في تسليط الضوء على آليات التفاعل التي يمكن أن تؤدي إلى تشكيل جزيئات محددة في الفضاء.   في أعلى الصورة، تَظهر مسارات التفاعل التي يمكنها تشكيل هيدروكربون يدعى بـ “البيرين” Pyrene عبر الطريقة الكيميائية المسماة بـ ” نزع الهيدروجين/إضافة الأستيلين Hydrogen-Abstraction/Acetylene-Addition، (اختصارًا: HACA).

أما في أدنى الصورة، فتوجد بعض الخطوات المحتملة التي يستطيع من خلالها البيرين تشكيل هيدروكربونات أكثر تعقيدًا عبر HACA (المميزة باللون الأحمر) أو الآلية الأخرى (المميزة باللون الأزرق) وتُدعى بـ “الهيدروجين المجرّد — الفينيل أسيتيلين الإضافي Hydrogen Abstraction — Vinylacetylene Addition” (اختصارًا HAVA).

ينتمي البيرين إلى عائلة “الهيدروكربونات الأروماتية متعددة الحلقات Polycyclic Aromatic Hydrocarbons (اختصارًا: PAHs)، ويُقدّر أنه مسؤول عن تواجد 20% من الكربون الكليّ في مجرتنا، وتُعد الـ PAHs جزيئات عضوية مؤلّفة من سلسلة من حلقات جزيئية مُتّحدة، ومن أجل اكتشاف كيفية تطوّر تلك الحلقات في الفضاء، عكف العلماء على تشكيل هذه الجزيئات والجزيئات المحيطة الأخرى المعروفة بتواجدها في الفضاء.

وفي هذا الشأن، صرّح ألكسندر إم. ميبل Alexander M. Mebel، أستاذ الكيمياء في الجامعة الدولية بفلوريدا Florida International University والذي شارك بدوره في الدراسة، صّرح قائلًا: “إنك تقوم ببناء حلقة واحدة في كل مرة، إذ تكبُر الحلقات مرة تلو الأخرى، إنها طريقة اختزالية للنظر في بدايات الحياة: لبنة بنيوية واحدة في كل مرة”.

وفي هذه الدراسة، تقصّى الباحثون سلسلة التفاعلات الكيميائية الناجمة عن مزيج من الهيدروكربونات المعقدة المعروفة بـ “جذور الفينانثرينيل الرباعي The 4-Phenanthrenyl Radical (الذي يحتوي على بنية جزيئية مُشكَّلة من سلسلة من ثلاث حلقات، وتحتوي على إجمالي 14 ذرة كربون و9 ذرات هيدروجين)، مع الأسيتيلين (مكوَّن من ذرتين كربون وذرتين هيدروجين).

وصرّح فيليكس فيشرFelix Fischer، الأستاذ المساعد في مادة العلوم في جامعة كاليفورنيا في بيركلي والذي ساهم أيضًا في الدراسة، أنّ المركبات الكيميائية اللازمة للدراسة لم تكن متاحة تجاريًا، لذا قام مختبره بإعداد العينات سلفًا. وأضاف أثناء تصريحه: “عملية تشكيل هذه المواد الكيميائية في المختبر مضجرة للغاية”.

وفي ظل تواجدهم في ALS، حقن الباحثون المزيج الغازي في مفاعل ميكروي الذي يسخِّن العينة إلى درجة حرارة لمحاكاة أجواء الجوار النجمي، ويقوم الـ ALS بدوره في توليد حزم ضوئية بدءًا من الأطوال الموجية للأشعة تحت الحمراء وحتى الأشعة السينية، لدعم مجموعة من التجارب العلمية من خلال الباحثين الوافدين والداخليين.   وعند سرعات تفوق سرعة الصوت، نُفِثَ المزيج الغازي من المفاعل الميكروي من خلال فوهة صغيرة جدًا، حاجزةً الكيمياء النشطة داخل الخلية الساخنة، ثمَّ ركز الفريق البحثي حزمة من الضوء فوق البنفسجي التفريغي صادر من السنكروترون على مزيج الغاز الساخن الذي أطاح بالإلكترونات (يعرف ذلك التأثير بالتأيُّن Ionization).

ثمَّ قاموا بتحليل الكيمياء الجارية باستخدام كاشف الجسيمات المشحونة الذي يقيس أوقات الوصول المتباينة للجسيمات التي تشكَّلت عقب التأيُّن، وقد حملت أوقات الوصول هذه معها تواقيع دلالية للجزيئات الأم.

ساعدت تلك القياسات التجريبية، إلى جانب حسابات ميبل النظرية، الباحثين على رؤية الخطوات الوسيطة للكيمياء ضمن التفاعلات وتأكيد إنتاج البيرين في التفاعلات. أبرزَ عملُ ميبل كيفية تطوّر البيرين (ذو البنية الجزيئية رباعية الحلقات) من المركب المدعو بالفينانثرين (ذو البنية ثلاثية الحلقات).

أضف إلى ذلك، يمكن لتلك الحسابات النظرية أن تكون فعَّالة وذات نفع في دراسة عدة ظواهر متنوعة، “بدءًا من لَهِيب الاحتراق على كوكب الأرض وحتى انبعاثات النجوم الكربونية والوسط بين النجمي” على حدِ قول ميبل. وأضاف قيصر: “يمكن أن تدرس الدراسات المستقبلية كيفية تشكيل سلاسل أكبر للجزيئات الحلقية باستخدام التقنية ذاتها، ولاستكشاف كيفية تشكيل الغرافين من كيمياء البيرين”.

كما ستكشف بعض التجارب الأخرى التي أجراها أعضاء الفريق في جامعة هاواي عما يجري عندما يمزج الباحثون الغازات الهيدروكربونية في ظروفٍ جليدية ومحاكاة الأشعة الكونية لمعرفة ما إذا كان ذلك قد يثير تشكُّل الجزيئات المحمّلة بالحياة. ويتساءل أحمد: “هل هذا كاف لإحداث جلبة؟”، ويضيف قائلًا: “يتوجّب أن يكون هناك بعض التنظيم الذاتي والتجمُّع الذاتي المشترك”.   وطرح في آخر تصريحاته السؤال الحاسم، قائلًا: “السؤال الأكبر هو ما إذا كان هذا، في الأساس، هو الشيء الذي قد تسمح به قوانين الفيزياء”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى