شرائح رئيسيةفضاء

مسبار جونو الفضائي ليس بالمكان المطلوب.. وهذه ليست المرة الأولى التي يحدث بها ذلك!

التلاعب بالنسبية العامة

في أوائل ستينيات القرن الماضي، طور العلماء طريقة تدعى الجاذبية المساعدة gravity-assist method، تقوم فيها المركبات الفضائية بالتحليق حول جسم رئيسي كالكواكب والأجرام السماوية من أجل زيادة سرعتها.

وقد استخدمت العديد من البعثات البارزة هذه التقنية، بما في ذلك البعثات بايونير Pioneer، وفوياجر Voyager، وغاليليو Galileo، وكاسيني Cassini، ونيو هورايزونس New Horizons. لاحظ العلماء حالة شذوذ في مسار المركبات الفضائية أثناء قيامها بعملية التحليق، حيث لم تتفق الزيادة في سرعة المركبة الفضائية مع النماذج المدارية للكواكب أو الأجرام، وصارت هذه الظاهرة تعرف باسم شذوذات التحليق القريب، والتي ظلت غامضة، وقاومت كل المحاولات السابقة لتفسيرها على الرغم من عقود من الدراسات. وللمساعدة في حل هذا الغموض، قام فريق من الباحثين من معهد الرياضيات متعددة التخصصات في جامعة بوليتكنيكا بفالنسيا Technical University of Valencia ببناء نموذج مداري جديد مستوحى من المناورات التي أجراها مسبار جونو Juno.

أجرى كلٌّ من لويس أسيدو Luis Acedo، وبيدرو بيكيراس Pedro Piqueras، وخوسيه أ. مورانو Morano Jose A هذه الدراسة، والتي ظهرت مؤخرًا على الإنترنت تحت عنوان “شذوذات التحليق القريب المحتملة لجونو حول المشتري “A Possible Flyby Anomaly for Juno at Jupiter”، ودرسوا معًا الأسباب المحتملة لظاهرة شذوذات التحليق القريب باستخدام مدار المسبار حول المشترى المسمى بريجوف Perijove (وهي النقطة في مدار المسبار حين يكون فيها أقرب ما يمكن إلى مركز المشتري).

وطبقًا لمدارات جونو العديدة من القطب إلى القطب، فإنهم لم يرصدوا فقط كون هذه المدارات بدورها قد شهدت شذوذًا، ولكنهم قدموا تفسيرًا محتملًا لهذه الظاهرة. (للتوضيح، سرعة المركبة الفضائية تتحدد عن طريق قياس انزياح دوبلر Doppler Shift للإشارات الراديوية من المركبة الفضائية إلى الهوائيات الموجودة على شبكة الفضاء العميق DSN) خلال فترة السبعينيات عندما أُطلق المسباران بايونير10 وبايونير11 لزيارة كوكبي زحل والمشتري قبل التوجه نحو حافة النظام الشمسي، شهد هذان المسباران على حد سواء شيئًا غريبًا عند وصولهما إلى مسافة تقدر ما بين 20 إلى 70 وحدة فلكية عن الشمس (هي المسافة ما بين كوكب أورانوس إلى حزام كيبلر Kuipler Belt). في الحقيقة، كان كلا المسبارين أبعد بـ 386,000 كيلومتر (240,000 ميل) من المكان المتوقع طبقًا للنماذج الموجودة آنذاك.

وقد أصبح هذا يعرف باسم شذوذ بايونير Pioneer Anomaly، وصار مصطلحًا شائعًا وسط مجتمع فيزياء الفضاء، وبينما وُجد حل لشذوذ بايونير آنذاك، وحدثت نفس الظاهرة عدة مرات منذ ذلك الحين مع البعثات اللاحقة. يقول الدكتور أسيدو Acedo مخاطبًا صحيفة University Today عبر البريد الإلكتروني:

“شذوذات التحليق القريب هي مشكلة في ديناميكا الأجسام Astrodynamics واكتشفها فريق من باحثي جي بي إل JPL بقيادة جون أندرسونJohn Anderson في أوائل التسعينيات”. عندما اقتربت المركبة غاليليو Galileo من مدار الأرض في 8 ديسمبر/كانون الأول عام 1990 حاول الباحثون حينها مناسبة المسار الكامل للمركبة مع النماذج السابقة، وجدوا أن هذا يمكن أن يتم فقط من خلال الأخذ بعين الاعتبار أن تتوافق الأجزاء الداخلة والخارجة من المسار مع سرعات مقاربة ومختلفة بمقدار 3.92 ملليمتر/ثانية عما هو متوقع من النظرية.

يظهر التأثير على حد سواء في بيانات رادار دوبلر Doppler radar وفي بيانات القمر الصناعي لقياس المسافات باستخدام بالليزر Satellite laser ranging (SLR)، لذلك فهو ليس خطأ تقني ناتج عن تقنيات القياس، كما أنه قد عُثر على هذا التأثير لاحقًا في عدة عمليات تحليق قامت بها المركبة غاليليو ومنها: بعثة نير (Near Earth Asteroid Rendezvous mission) في عام 1998، وبعثة كاسيني في عام 1999، بالإضافة إلى البعثتان روزيتا Rosetta وماسنجر Messenger في عام 2005، وقد عُثر على أكبر تفاوت في بيانات المسبار في بعثة نير (نحو 13 ملليمتر/ثانية) ويُعزى هذا إلى المسافة القريبة جدًا للمسبار (532 كم) من سطح الأرض في نقطة الحضيض. الأمر الغامض الآخر هو أن الشذوذ قد كان واضحًا في بعض حالات التحليق، وفي حالات أخرى كان على عتبة الكشف، أو غائبًا ببساطة، كما كان الحال مع شذوذ التحليق لمركبة جونو عند تحليقها بالقرب من الأرض في تشرين الأول/أكتوبر عام 2013.

وقد أدى عدم وجود أي تفسير مقنع لهذه الشذوذات إلى عدد من التفسيرات، تتراوح ما بين احتمالية تأثير المادة المظلمة Dark Matter وآثار المد والجزر، امتدادًا إلى تناقضات ربما تتواجد في النسبية العامة قد تؤدي إلى فيزياء جديدة. ومع ذلك، لم ينتج عن أي من هذا تفسير موضوعي يمكن أن يفسّر شذوذات التحليق القريب للمركبات الفضائية، ولحل هذه المشكلة سعى أسيدو وزملاؤه إلى إنشاء نموذج جرى تحسينه لجونو في النقطة التي تمر فيها المركبة بنقطة بريجوف. ويوضح أسيدو: “بعد وصول مركبة جونو إلى المشتري في 4 تموز/يوليو عام 2016، كان لدينا فكرة لتطوير نموذجنا المداري المستقل لمقارنته مع المسارات المجهزة التي حسبها فريق JPL في ناسا.

والنتيجة، تقوم المركبة جونو بعمل تحليقات قريبة جدًا من الكوكب والسبب يعود إلى أن الارتفاع فوق الغيوم العليا (نحو 4000 كيلومتر) يشكل جزءًا صغيرًا من نصف قطر الكوكب. ولهذا السبب، توقعنا أن نجد الشذوذ هنا، وهذا سيكون إضافة مهمة لمعرفتنا بهذا التأثير لأنه سيثبت أنها ليست فقط مشكلة خاصة بالتحليقات بالقرب من الأرض، ولكنه أمر كوني”. كما أن النموذج الخاص بهم قد أخذ بعين الاعتبار قوى المد والجزر التي تمارسها الشمس والأقمار الكبرى لكوكب المشتري: أيو Io، ويوروبا Europa، وجانيميد Ganymede، وكاليستو Calisto، وأيضًا مساهمات التوافقيات المكانية المعروفة Zonal Spherical Harmonics. كما أنهم، عند وصول المركبة جونو إلى نقطة بيرجوف، قد اهتموا بدراسة الحقول متعددة الأقطاب المغناطيسية للمشتري، والتي هي نتيجة لشكل الكوكب المفلطح، حيث أنها تلعب دورًا أكثر أهمية بكثير من قوى المد والجزر.

في النهاية، توصلوا إلى أن الشذوذ يمكن أن يكون قد تواجد أيضًا أثناء تحليق جونو حول المشتري، كما أنهم قد لاحظوا عنصر مشع ذا أهمية كبيرة في هذا الشذوذ، والذي يتحلل كلما بعدت المركبة أكثر من مركز الكوكب. وكما يوضح أسيدو: “استنتاجنا هو أن التسارع الشاذ ينطبق أيضًا على مركبة جونو في محيط بيريجوف. في هذه الحالة، السرعة النسبية ليست عاملًا مفيدًا لأن المسار مغلق”. ويزيد هذا التسارع بمقدار مئة مرة تقريبًا عن التسارعات الشاذة النمطية المسؤولة عن الشذوذ في حالة تحليقات الأرض. وكان هذا متوقعًا بالربط مع الحدس الأولي لأندرسون وآخرين في أن التأثير يزداد بزيادة السرعة الزاوية لدوران الكوكب (فترة من 9.8 ساعات للمشتري مقابل 24 ساعة للأرض)، ونصف قطر الكوكب، وربما كتلته.

كما أنهم قد توصلوا أيضًا إلى كون هذا الشذوذ يبدو أنه يعتمد على النسبة بين السرعة الشعاعية Radial Velocity للمركبة الفضائية وسرعة الضوء، وأن هذه النسبة تنقص بسرعة كبيرة عند تغير ارتفاع المركبة فوق سحب المشتري. لم تتنبأ النسبية العامة بهذه الأمور، لذلك هناك فرصة أن شذوذات التحليق القريب هي نتيجة لظواهر جديدة في الجاذبية، أو ربما تأثير أكثر تقليدية لم يُنظر فيه.  في النهاية فإن النموذج الذي نتج عن حساباتهم قد أتاح لهم عن كثب، دراسة بيانات القياس عن بُعد التي قدمتها بعثة جونو، على الرغم من أن الأسئلة لا تزال قائمة بهذا الخصوص.

يقول أسيدو: “من الضروري إجراء مزيد من البحوث لأن نمط الشذوذ يبدو شديد التعقيد، ولا يمكن للمدار الواحد، أو سلسلة من المدارات المماثلة كما في حالة جونو رسم خريطة للمجال بأكمله. هناك حاجة إلى بعثة متخصصة بهذا الشأن، ولكنّ نقص التمويل وقلة الاهتمام بهذا المجال من الجاذبية التجريبية قد تمنعنا من رؤية هذه البعثة في المستقبل القريب”. هذا كله إن دلّ على شيء، فهو دليل على مدى تعقيد الفيزياء، حيث إننا حتى بعد ستين عامًا من استكشافنا للفضاء، وبعد مئة عام منذ نُشرت النظرية النسبية العامة ما زلنا نصقل نماذجنا باستمرار! وربما نستيقظ في يومٍ من الأيام ونجد بأعجوبة أن أسرار الكون وغوامضه التي ظلت تحيّرنا قد حُلّت جميعها، وسوف يبدو الكون مثاليًا بالنسبة لنا حينها، يا لسوء ذلك اليوم!

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى