معالم قديمة

خليج عمان يختنق!

يستضيف خليج عُمان أكبر وأكثف “منطقة ميتة” في العالم، لكن واجه العلماء صعوبات لدراستها بشكلٍ مكثّف بسبب القرصنة والتوترات الجيوسياسية في المنطقة. والآن، وبفضلِ التخفيف من حدّة الصراع الإقليمي، تمكّن العلماء أخيراً من استخدام غواصات يتم التحكم فيها عن بُعد لكشف المدى الكامل للمنطقة الميتة في الخليج، وقد كشفت البيانات أن مساحة المنطقة الميتة المحددة يعادل مساحة ولاية فلوريدا الأمريكية، وما تزال تزداد باستمرار. تدعى المناطق المنضوبة بشكل كبير من الأوكسجين بالمناطق الميتة أو المناطق ذات الحد الأدنى من الأوكسجين Oxygen Minimum Zones (OMZs)، وهي تحدث بشكل طبيعي ضمن المحيطات على عمق يتراوح بين 200 إلى 800 متر. أثبتت البحوث الحديثة أن أكبر المناطق الميتة في العالم تقع في خليج عُمان، وهو في الواقع مضيقٌ يحدُّهُ كُلٌّ من إيران وباكستان وعُمان والإمارات العربيّة المتحدة، بمساحة إجمالية تقارب 165000 كيلومتر مربع (63700 ميل مربع) تشكّل منطقة المُحيط. لا يتوقف الأمر عند هذه النتيجة، فقد كشف العلماء بالاستعانة بغوّاصَين اثنين وعمليات المُحاكاة الحاسوبية ازدياداً كبيراً للمنطقة الميتة في خليج عمان من حيث المساحة والخطورة منذ تسعينيات القرن الماضي. وحسب ما تُفيد به البيانات الحديثة، فإن هذه المنطقة حالياً خالية تماماً من الأوكسجين أو في ظروف نقص حاد بالأوكسجين، حيث يكون الأوكسجين غير موجود أو موجود بتراكيز قليلة جداً على التوالي. يقول الباحث الرئيسي باستين كويستي Bastien Queste: “يُظهرُ بحثنا أن الوضع الآن سيئٌ أكثر من كونه مخيفاً، فتلك المنطقة واسعة، وشاسعة، ومُتنامية، والمحيط يُخنَق ويَغص جرّاء ذلك التنامي. إن كل الأسماك والنباتات البحريّة والحيوانات الأُخرى تحتاج للأوكسجين، لذا فهي لا تستطيع العيش هنا، ويُعد هذا مشكلة بيئية حقيقيّة ذات عواقب وخيمة وسيئة أيضاً على البشر الذين يعتمدون على المحيط في غذائهم وعملهم”. ويتنبّأ هذا الامتداد والتنامي لتلك المنطقة الميتة بأخبارٍ سيئةٍ تتعلق بالتغيّر المناخي. فحين يغيب الأوكسجين تتغيّر الدورة الكيميائية للنتروجين بشكلٍ كبير، لذلك تتغير دورة النتروجين الأساسية في المناطق الميتة لتنتج كميات أكبر من أكسيد النيتروز، وهو من الغازات الدفيئة الأكثر فعالية من غاز ثنائي أكسيد الكربون بنحو 300 مرّة. إذاً تصبح المشكلة أسوأ من حقيقة ارتباط تنامي المناطق الميتة ارتباطاً وثيقاً بالتغير المناخي، ويتنبّأ الباحثون أنه بازدياد درجة حرارة المحيطات، تنخفض ببطء قُدرتها على الاحتفاظ بالأوكسجين، وتستمر هذه المناطق الميتة بالاتساع والانتشار. يقول كويستي Queste عالم بالكيمياء الجيولوجية الحيوية البحرية في كلية العلوم البيئية بجامعة أنجليا الشرقية: “هناك عدّة أشياء ساهمت بهذا التحوّل الرئيسي وأهمها تلك المرتبطة بشكل كبير بالتغيّر المناخي”، كما حدّدت مستويات الأوكسجين من خلال الموازنة بين الأوكسجين المزود من الجو والذي يُمزج من خلال الأمواج والتيارات، وعمليات المزج العامة التي تحدث قرب سطح المياه، بالإضافة إلى فقدان الأوكسجين بشكل أساسي خلال عمليات التنفس للبكتيريا التي تعيش وتتغذى على المواد العضويّة المتحللة المترسبة”. وستتفاقم هذه الحالة وتزداد من خلال الأسمدة ومياه الصرف الصحي التي تتسرب من الأراضي إلى البحار. ويضيف كويستي: “ستؤدي الزيادة في استثمار الأراضي والمدن الكُبرى والتلوث البيئي المتفاقم إلى دخول المزيد من المواد المغذية كالنتروجين والفوسفور إلى المياه، والتي تعزز نمو الطحالب بشكلٍ أكبر والتي تترسب لاحقاً لتستهلكها البكتيريا، إذ إنه نظام معقّد بشكلٍ لا يُصدّق ويحتوي على عناصر ديناميكية عديدة”. وباستخدام عمليات المحاكاة الحاسوبية لأوكسجين المحيط، تتنبّأ الدراسة بانخفاض مستوى الأوكسجين خلال القرن القادم وتنامي المناطق ذات الحد الأدنى من الأوكسجين حول العالم. وفي خطوتهم القادمة، سيحاول كويستي وفريقه التحقق من السبب المؤدي إلى تنامي المنطقة الميتة فيما إذا كانت نتيجةً لانخفاض عام في مستوى التزويد بالأوكسجين أو نتيجة ازدياد استهلاك الأوكسجين في المنطقة فحسب. ويتساءَلَ الباحث: “يمكن أن نطرح الآن سؤالاً شيقاً آخر بعد أن اتضح أن منطقة خليج عُمان تستهلك الأوكسجين بشكلٍ أسرع من تجديده، فما هي كمية الأوكسجين التي يزود بها بحر العرب والتي تجعل المنطقة الميتة فيه الأكثر عرضاً، فتتوسع وتتنامى أكثر فأكثر؟”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى