فضاء

خبر سار: نحن لا نعيش في محاكاة حاسوبية

هذا ما تقوله ميكانيكا الكم. تَكثرُ الأسئلة حول كوننا نعيش في محاكاة من صُنع حاسوبٍ فائق أو شيء أعمق من ذلك بكثير، لدرجة أنها أرّقت أذكى الفلاسفة منذ أن كان بلاتو صغيراً. ماذا لو كانت المحاكاة حقيقية؟ ماذا لو كانت هذه الحياة هي مجرد محاكاة لواقع حقيقي؟ ماذا لو كنت تقرأ هذه المقالة- وفق سلوك ما ورائي مستوحى من أفلام الخيال العلمي على جهاز حاسوبي بينما أنت موجود بدورك داخل جهاز حاسوبي أكبر؟ بمجرد أن تُقحَم هذه الفكرة في أذهاننا، فإنها تقلقنا كثيراً، بحيث لا يمكننا التفكير بطريقة للخروج من هذه المعضلة. هل تتذكر التساؤل الذي طرحه مورفيوس في فيلم المصفوفة (The Matrix): “ماذا لو كنت عاجزاً عن الاستيقاظ من ذلك الحلم؟ كيف يمكن لك أن تعرف الفرق بين عالم الحلم والعالم الحقيقي؟”. يدّعي باحثان أنهم اكتشفا حقيقة عالمنا، حيث يزعم عالما الفيزياء النظرية زوهار رينجل Zohar Ringel وديمتري كورفيزيني Dmitry Kovrizhin من جامعة أوكسفورد (University of Oxford) والجامعة العبرية (Hebrew University) أنهما أثبتا حقيقة واقعنا في دراسة نُشِرت حديثاً في دورية التقدّم العلمي (Scientific Advances). لكي نفهم ما الذي توصلا إليه، يجبُ علينا أولاً أن نتعرف على ماهية الحاسوب، وهو في الأساس آلة تنفذ العمليات الحسابية، ولكي يتمكن الحاسوب من محاكاة الواقع أيضاً، فإنه بحاجة إلى ما يكفي من القدرات البنيوية لتوليد الظواهر التي نعيشها في بيئة المحاكاة التي بناها، والتي تُمثِّل بيئتنا. لكن ما اكتشفه الباحثان هو أن تخزين المعلومات اللازمة لمحاكاة سلوكيات معينة لبضع مئاتٍ من الإلكترونات فقط، يتطلب عدداً من الذرات أكثر مما هو موجود في الكون! اصطدم الباحثان بمعضلة وهم في طريقهما لحل خوارزميات تشمل المحاكاة تستخدم طريقة مونت كارلو المبنية على ميكانيكا الكم. باختصار وبعبارةٍ موجزة، لا يمكننا تشكيل ومحاكاة فيزياء الكمّ ومبادئها المعقدة بأي تكنولوجيا متقدمة نعرفها حتى على أكبر حاسوب يمكن أن تتخيله. إذاً يمكننا القول بأنك لا تعيش في محاكاة، على الأغلب! حسنًا، تابع القراءة. يقول رينجل: “عندما تدرس الفيزياء وتواجه مسألة لا تعرف حلاً لها، فإنك تقول في قرارة نفسك، ربما يمكنني فقط أن أجعل حاسوبي يقوم بحلها وسيمنحني ذلك نظرة أعمق”، وبالتالي تحول هو وزميله إلى “مونت كارلو الكمية” مجموعة من الطرق الحسابية التي تستخدم العينات العشوائية لدراسة الأنظمة الكمية المعقدة التي لا يمكن حلها بشكلٍ مباشر. تُعرَف محاكاة مونت كارلو الكميّة على أنها حسابات ترتكز على عينات عشوائية من نظامٍ ما، تُستخدم هذه الحسابات في شتى أنواع العلوم ولذلك ليست خاصة بفيزياء الكم، لكنها مفيدة في المجال الكميّ في تحويل المجهولات إلى قيم أكثر قابلية للتنبؤ. في أغلب الأحيان، تُفِيد هذه الحسابات في تشكيلٍ مختصر لأنظمة المشكلات متعددة الأجسام (many body problems) وهو اسم عام يطلق على فئة واسعة من المشكلات الفيزيائية المتعلقة بخصائص الأنظمة المجهرية المصنوعة من عدد كبير من الجسيمات المتفاعلة التي تشمل العديد من الأجسام الكمومية المتحركة عبر أبعاد مختلفة. اكتشف الباحثان أنه بإضافة كل جسيم إلى النظام، ازداد تعقيد المحاكاة بشكل كبير (زيادة أسية)، حيث تضاعف التعقيد مع كل جسيم جديد مقارنة بالحالة الابتدائية للمسألة، ليجعل المسألة برمتها غير قابلة للحل. من المؤكد أن رينجل وكوفيرزي لم يتوقعا النجاح، ولكنهما كانا يأملان بمعرفة الأسباب التي حالت دون نجاح أيٍّ من التجارب السابقة، ربما لأن البشر ليسوا بالذكاء الكافي لتحقيق ذلك، أو لأن الفيزيائيين لم يتمكنوا بعد من العثور على الإسقاطات الرياضية الصحيحة، توضح الدراسة الجديدة أنه من غير الممكن محاكاة أثر هول، وبالنسبة لمؤلفي الدراسة، يترتب على هذا الأمر استحالة أن يخلق أي جهاز حاسوبي العالم الذي نعيش فيه. في فيزياء المادة المكثفة هناك ظاهرة تُدعَى “أثر هول الحراري القياسي” حيث إذا وُضِع جسم صلب ذو حافة ساخنة أو باردة داخل حقل مغناطيسي، فإنه يُنتِج تدرجاً حراريّاً في كلتا الحالتين. يوضح أثر هول القياسي كيف يمكن للمعادن في ظل الظروف المناسبة أن تظهر بعض السلوكيات الكهربائية المثيرة للاهتمام، فعلى سبيل المثال إذا أمسكت بقضيب معدني ومررت عبره تياراً كهربائياً، فأنت تتوقع من الإلكترونات أن تستمر بالتحرك نحو الأمام بنفس اتجاه التيار، ولكنك عندما تطبق حقلاً مغناطيسياً بشكل متعامد مع اتجاه التيار، فإن أثر هول يتنبأ بأن الإلكترونات ستنحرف وتبدأ بالتحرك بشكل متعامد مع كل من الاتجاه الأصلي للتيار، والحقل المغناطيسي. وينقل أثر هول الكمي، أثر هول القياسي إلى خطوة أبعد: فعندما تضع مادة ناقلة في بيئة باردة جداً (بالقرب من الصفر المطلق، أو 273.15- درجة مئوية)، ولديها مجال مغناطيسي قوي، فإن الجسيمات تتصرف بشكل أكثر غرابة، وهو السلوك الذي حاول الباحثان تفسيره. لذلك استرخ، لا داعي للهلع. يضيف رينجل: “إذا رأيت ظواهر لا يمكن محاكاتها بواسطة جهاز حاسوبي كلاسيكي، فهذا يعني أننا لا يمكن أن نكون جزءاً من جهاز حاسوبي تقليدي ضخم تمت محاكاته بينما يسرق شخص ما طاقتنا على سبيل المثال”، وبعبارة أخرى: “ليس هناك سيناريو مشابه لما يطرحه فيلم المصفوفة”. تفترض الدراسة أنه إذا كان هناك من يتحكمون بعالمنا، وهم يستخدمون أجهزة حاسوبية كالتي نعرفها، يقول رينجل: “إن كانوا يعلمون بطريقة ما كيفية تشغيل الحواسيب الكمية، فهذا يلغي مزاعمنا تماماً”، فالحواسيب التقليدية كالذي تستخدمه الآن على الأرجح في قراءة هذه المقالة تتعامل مع الإلكترونات على أنها جسيمات. أضف على ذلك أن فيزياء الكم تجعل من هذا غير محتمل بشكل لا يصدق، باعتبار الإلكترونات والذرات ليسوا كرات صغيرة تتحرك بمسارات واتجاهات متوقعة عبر الفضاء. إذا لم يكن كونُنا نتيجة صياغة خضع لها منذ نشأته، فإن العالم الذي نعيش فيه هو على الأرجح عالم حقيقي، إلا إذا كان مجرد حلم بالطبع. بعض المصطلحات وتعريفاتها طريقة مونت كارلو – Monte Carlo method: هي مجموعة من الخوارزميات الحسابية التي تتضمن تكرار التجربة بقيم بدائية عشوائية، وتُستخدَم هذه الطريقة عادةً في أنظمة المحاكاة الرياضية والهندسية. زيادة أسية – Exponential growth: يحدث عندما يكون معدل نمو دالة رياضية ما متناسباً مع قيمة الدالة الحالية. أثر هول الحراري القياسي – Thermal Hall effect: هو تأثير اكتشفه الفيزيائي الأمريكي إدوين هول، وهو ميل حاملات الشحنة سواء كانت موجبة أو سالبة للانزياح نحو الأطراف في الموصلات الكهربائية بسبب المجال المغناطيسي المُطبَّق أو المُتعرَّض له.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى