جريمة

49 عاما على المجزرة الأبشع… الدرس لم ينته

في التاسعة والثلث من صباح الأربعاء 8 أبريل/ نيسان 1970، كانت طائرات “إف 4 فانتوم” التابعة لسلاح الجو بالجيش الإسرائيلي تنفذ واحدة من “أبشع” الجرائم في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.

في هذه الساعة تحديدا قصفت مدرسة “بحر البقر” الابتدائية بـ 5 قنابل من نوع “نابالم”  ليقُتل في الحال قرابة 30 طفلا مصريًا ويصاب 50 آخرين إصابات بالغة، معظمهم أصيبوا بعاهات مستديمة، ولم يكن الضحايا من التلاميذ فقط إذ قتل عدد آخر من المدرسين وأهالي القرية، وكذلك تدمير مبنى المدرسة تماما.

المدرسة كانت تقع في قرية “بحر البقر” بمحافظة الشرقية (شمال شرق القاهرة)، وكانت مدرسة بسيطة التصميم، عبارة عن طابق واحد فقط يضم ثلاثة فصول تحوي 150 طفلا.

لماذا قصفت إسرائيل المدرسة

لم تتوقف الحرب بين مصر وإسرائيل بعد هزيمة مصر في حرب الأيام الستة يونيو/ حزيران 1967، فإسرائيل من جانبها تريد تأكيد احتلالها للأراضي المصرية في سيناء بل والتقدم لاحتلال مساحات جديدة، وتسعى كذلك ألا يقوم للجيش المصري قائمة فيستعيد الأرض المسلوبة، على الناحية الأخرى أعلن الرئيس المصري جمال عبد الناصر في خطبة “التنحي” الشهيرة أن الحرب لم تنته بعد.

وقال عبد الناصر:

“علينا أن نزيل آثار هذا العدوان علينا، وأن نقف مع الأمة العربية موقف الصلابة والصمود. وبرغم النكسة فإن الأمة العربية بكل طاقاتها وإمكانياتها قادرة على أن تصر على إزالة آثار العدوان”.

ثم عاد عبد الناصر عن قراره بالتنحي. وأجرى تغيرات في قيادات الجيش، وتحدث مع القادة الجدد عن “استنزاف العدو”، واستعادة الثقة التي اهتزت عند المقاتل المصري، والتجهيز لمعركة تحرير الأراضي المصرية.

وبالفعل بدأت عناصر من الجيش المصري في مارس/ آذار 1968 بشن غارات داخل سيناء المحتلة، وخلف خطوط الجيش الإسرائيلي. وهي العمليات التي أزعجت الجيش الإسرائيلي، وجاء رد فعله بقصف مواقع في الداخل المصري، من بينها قصف مصنع في منطقة “أبو زعبل” الذي كانت تملكه الشركة الأهلية للصناعات المعدنية، وكان به 1300 عامل، قصف الطيران المصنع فقتل حوالي 70 عاملا، وأصيب العشرات، وهي العملية التي سبقت عملية “بحر البقر” بأقل من شهرين.

رد الفعل المصري

تلقى الشارع المصري الخبر بصدمة كبيرة، قطعت الإذاعة المصرية بثها لتذيع الخبر العاجل: “أيها الأخوة المواطنون، جاءنا البيان التالي: أقدم العدو في تمام الساعة التاسعة و20 دقيقة من صباح اليوم على جريمة تفوق حد التصور، عندما أغار بطائراته (الفانتوم) الأمريكية على مدرسة بحر البقر، وسقط الأطفال بين سن السادسة والثانية عشر تحت جحيم من النيران”.

​عم الغضب أرجاء مصر بعدما نشرت الصحف في اليوم التالي الخبر مصحوبا بصور للمدرسة مهدمة تماما، والضحايا من الأطفال غارقين في دمائهم.

وصفت  الحكومة المصرية القصف بأنه “عمل وحشى يتنافى تمامًا مع كل الأعراف والقوانين الإنسانية”، وقالت الحكومة إن العملية تأتي ضمن تصعيد الغارات الإسرائيلية على مصر للقبول بإنهاء حرب الاستنزاف وقبول مبادرة “روجرز”، وقررت تعويض القتلى ماديا بواقع 100 جنيها للأسرة كل قتيل، و10 جنيهات للمصاب، وجمعت ما تبقى من متعلقات الأطفال من ملابس، وأقلام وكتب وأحذية، وأجزاء من القنابل التي قصفت المدرسة، والتي تم وضعها في متحف أقيم في القرية.

على المستوى الأدبي أثرت المجزرة في كثير من الكتاب والأدباء، وكتب الشاعر المصري صلاح جاهين قصيدة “الدرس انتهى لموا الكراريس”، وهي القصيدة التي لحنها الموسيقار سيد مكاوى وغنته الفنانة شادية والتي يقول مطلعها “الدرس انتهى/ الدرس انتهى لِمُّوا الكراريس/ بالدم اللى على ورقهم سـال/ فى قصر الأمم المتحدة/ مسابقة لرسوم الأطفال/ ايه رأيك فى البقع الحمرا/ يا ضمير العالم يا عزيزى”.

مبررات إسرائيل

يصف موقع الخارجية الإسرائيلية على “الانترنت” العمليات التي قام بها الجيش الإسرائيلي في العمق المصري في هذه الفترة (حرب الاستنزاف) بـ”الهجمات الجريئة”، والتي كان من بينها عملية “بحر البقر”.

ولم تتنصل إسرائيل من العملية، بل بررتها بأن المدرسة كانت هدفا عسكريا، وقال موشى ديان، وزير الدفاع الإسرائيلي وقتها في تصريحات لـ”راديو إسرائيل”، إن “المدرسة التي ضربتها طائرات الفانتوم هدف عسكري”، بينما قال يوسف تكواه، مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة، في رسالة بعث بها إلى الأمم المتحدة إن “تلاميذ المدرسة الابتدائية كانوا يرتدون الزي الكاكي اللون، وكانوا يتلقون التدريب العسكري، وأكد راديو إسرائيل على هذه الرواية فقال إن الأطفال “كانوا أعضاء في منظمة تخريبية عسكرية”.

ولم تعتذر إسرائيل حتى الآن عن هذه العملية، وكذلك ترفض تعويض أهالي الضحايا.

رد الفعل الدولي

لم تصدر الأمم المتحدة أي بيانات رسمية حول العملية، وقال مسئولون في الأمم المتحدة أن “الأمر كله متعلق بانتهاك وقف إطلاق النار”، وهو نفس النهج الذي بنت عليه أمريكا موقفها من العملية إذ قالت الخارجية الأمريكية أنها “أنباء مفزعة”، وأن هذه الحادثة تعتبر “عاقبة محزنة يؤسف لها من عواقب لعدم الالتزام بقرارات مجلس الأمن الخاصة بوقف إطلاق النار”.

وأعلنت الحكومة البريطانية وقتها عن “أسفها الشديد للحادث”، بينما وصف الاتحاد السوفيتي العملية بـ””رد عاجز”، وقالت “أرادت إسرائيل اختيار حق الرد فلم تعارك جيشاً بل ذهبت للانتقام من أطفال مدرسة”، وأعرب الفاتيكان عن حزنه، ونظم طلاب في تركيا وقفة احتجاجية أمام القنصلية الإسرائيلية بإسطنبول.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى