معالم قديمة

الرملة القديمة… حكاية صمود فلسطينية (صور)

إنها المدينة الخلاّبة المخبِّئة في طيّات تاريخها قصص حروب وغزوات وزلازل طبيعيّة دمّرت البلدة عدّة مرّات لتعود وتنهض من جديد في فترات حديثة، ولا سيّما العثمانيّة والبريطانيّة التي أعادت مكانتها المركزيّة جغرافيًا واقتصاديًا.

ولكن شاء القدر وحلّت نكبة جديدة على المدينة عام 1948 إثر احتلال المليشيات الصهيونية لها بعد الإعلان عن “قيام إسرائيل”، وما ترتب عليه من تهجير معظم سكّانها بقيادة الضابط حينها اسحق رابين الذي كان مسؤولاً عن “عمليّة داني” الإجراميّة والتي قضت نهائيًا على المقاومة الفلسطينيّة في اللد والرملة في يوليو/ تمّوز 1948 ومن بعدها استولت القوات الإسرائيلية على جميع أملاك الغائبين وهدمت ما استطاعت أن تهدم، مثلما فعلت في باقي المدن والقرى الفلسطينيّة التي احتلّتها آنذاك.

في الآونة الأخيرة تحاول بلديّة الرملة المكوّنة من أغلبيّة من اليهود، أن تضع المدينة على الخريطة السياحيّة في فلسطين المحتلّة، بحيث رمّمت إحدى البيوت الفلسطينيّة عام 2001 وحوّلته إلى متحف خاص بتاريخ المدينة العريق والغني، فكل من يدخله ينبهر من ضخامة البيت العربي الأصيل المكوّن من طابقين (فقط الطابق الأرضي يُستعمل لصالة المتحف) والذي يستقبل العديد من طلاّب المدارس من كافّة أنحاء البلاد (عربًا ويهودًا) سنويًا، ويتم الشرح عن تاريخ الرملة متجاهلين عن عمد تاريخ الفلسطينيين الحديث، وفقط في غرفة صغيرة مكرّسة لتاريخ العصابات الصهيونيّة التي “حرّرت” الرملة بحسب الرواية الصهيونيّة، توجد وثيقة استسلام أهالي الرملة الفلسطينيين لقيادة الجيش الإسرائيلي الذي حكم المدينة حتى “مهّد الطريق” للحكم المدني لكي يباشر في عمله.

لكن هذا التجاهل ليس الوحيد في البلدة العربيّة العريقة، إذ نجد معالم أثريّة عديدة بالقرب من المتحف مهملة وجزءاً من الأحياء القديمة حوّلت إلى مواقف للسيّارات تمتلئ يوميًّا في ساعات النهار لقربها من سوق الرملة، بالإضافة إلى الإهمال المتعمّد من قبل البلديّة في تطوير هذه البقعة التاريخيّة التي تحتوي على الكنائس اللاتينيّة والأرمنيّة والأرثوذكسيّة، والجامع الكبير بالإضافة إلى الموقعين التاريخيين الواقعين خارج البلدة القديمة، وهما بركة الأقواس والبرج الأبيض.

لا شك في أن البلدة القديمة في الرملة عامرة نسبيًا بالمقارنة مع شقيقتها مدينة اللد القديمة التي نسفت مبانيها من قبل الاحتلال الصهيوني كانتقام من المقاومة التي صمدت قيادتها في اللد آنذاك في وجه التقدّم الصهيوني لعدّة أشهر.

متحف خاص بتاريخ المدينة (العربي الجديد)

المواقع التي ذُكرت ما زالت قائمة في الرملة القديمة، وما زال المصلّون يتلون صلواتهم في الجامع والكنائس المذكورة بالرغم من النكبة التي حلّت عام 1948، بالإضافة إلى المدارس التي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا.

ساحة البرج الأبيض 

تقوم ساحة البرج الأبيض في مركز البلدة وتشتمل على أربعة مواقع أثريّة، أهمّها مقام النبي صالح الذي كان موقعًا دينيًا زمن الحكم العثماني والبريطاني، بحيث عُرف باسم موسم النبي صالح. بني المسجد الأبيض لأوّل مرّة في القرن الثامن ميلاديّ، وبقاياه اليوم تعود إلى نهاية القرن الثاني عشر، عندما جُدّد البناء بأمرٍ من صلاح الدين الأيّوبي، كما رُمّم زمن المماليك في القرنين الثالث والرابع عشر.

تاريخ غني للرملة القديمة  (العربي الجديد)

يرتفع البرج الأبيض إلى 30 مترًا، وبُني بأمر من السلطان المملوكي ناصر الدين محمد، وتم بناؤه عام 1218ميلادية، ولمن تسنح له الفرصة في الصعود إلى أعلى البرج، يستطيع مشاهدة الساحل الفلسطيني من الغرب وجبال القدس والسامرة من الشرق.

بركة الأقواس 

من أهم المباني التي أقيمت زمن الخلافة العبّاسيّة، وبالتحديد عام 789 ميلادية، زمن حكم الخليفة هارون الرشيد. يشكّل المبنى شهادة نادرة على جودة البناء وهندسة البناء الإسلاميّة، وتقوم الزوارق داخل بركة الأقواس بخدمة الزوّار (كبارًا وصغارًا) إذ يستطيعون التجديف في البركة التي كانت في تلك الفترات مجمّعا للمياه الجوفية وينابيع المياه القادمة من سهل أبو شوشة القريبة من منطقة اللطرون شرقي الرملة.

جامع الرملة الكبير 

من أجمل مساجد فلسطين، كان في السابق كنيسة صليبيّة أنشئت في القرن الثاني عشر ميلادي. ويدعى اليوم بالمسجد العمري وتقام فيه الصلوات اليوميّة وصلاة الجمعة. تحوّل إلى جامع زمن المماليك في بمنتصف القرن الثالث عشر ميلادي.

كنيسة مار جريس للروم الأرثوذكس 

بني الدير في القرن الثاني عشر ميلادي، وهو المركز الرئيسي للطائفة الأرثوذكسيّة في البلد، بالإضافة إلى الكنيسة الصغيرة والمتواضعة التي بنيت في القرن التاسع عشر ميلادي.

كنيسة نيقوديمس ويوسف الرامي للاتين 

منذ القرن الثالث عشر كان للرهبان الفرنسيسكان حضور في فلسطين، إذ قدم أولهم المؤسّس القدّيس فرنسيس الأسيزي من إيطاليا مع الحملة الصليبيّة الأخيرة لفلسطين، ووقتها حصل على الإذن بإنشاء كنائس في مناطق تواجد فيها المسيح ورسله، فأقيمت في الرملة كنيسة ودير للرهبان الفرنسيسكان المنتمين للكنيسة الكاثوليكيّة، وبعد فترة أسست مدرسة تيراسنطا بمحاذاة الكنيسة.

وفي حديث مع المرشد قسطى منصور عن السياحة الحاليّة في الرملة، يقول لـ”العربي الجديد”: “الرملة مدينة عريقة وذات تاريخ غني، لهذا السبب تستقطب العديد من الزوّار المحليين، ولكن للأسف هنالك نقص كبير في عدد السيّاح الأجانب، وهذه خسارة كبيرة، لأن البلدة تستطيع استقبال الحجّاج والسيّاح مثلها مثل أي بلدة أخرى”.

وأضاف: “صحيح أنه لا يوجد فنادق في المدينة، لكن موقع الرملة المركزي وتواجد أماكن تاريخيّة للزيارة، هو سبب كافي لاستقبال الزوّار الأجانب الذي يستطيعون الوصول إلى الرملة واللد في طريقهم إلى القدس، ولكن يبدو أن وزارة السياحة الإسرائيلية لا تعمل مجهود في هذا الموضوع”.

ويدرك منصور نيات وزارة السياحة الإسرائيليّة التي تحاول الترويج فقط لمواقع وآثار يهوديّة بحثًا عن تاريخها المزعوم هناك في فلسطين المحتلة كجزء من تثبيت الرواية الصهيونيّة المشوّهة لتاريخ فلسطين، فضلاً عن محاولات الطمس الصهيونيّة بعدّة طرق، بيروقراطيّة وأكاديمية وعسكريّة وقانونية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى