شرائح رئيسيةفضاء

فضاء مكتبة.. فضاء الكون *

  أن تعرض كتباً تعترض خطى المتعبين على رصيف القهر.. أن تعلن لمن لا يملك في جيبه ما يقيم أود أبنائه عن الماركسية والوجودية والعولمة والاستشراق والبنيوية والتفكيك والرواية وقصيدة النثر.. أن تقول للمصابين بفقر الدم والخوف واليأس اقرأوا، اختيار مفرط في تورطه إلى جانب ما يصعب تفسيره، ناهيك عن تسويغه..

   مكتبة مؤيد سامي كانت جزءاً من المشهد الفانتازي لمدينة لم تعد تأبه لمقتضيات الهندسة والقلب.. مدينة ( لم تكن، عراقياً، استثناءً ) تعرت أكثر مما يجب تحت وطأة مناوشات سرية، لا أحد يعرف، على وجه الدقة، لماذا وكيف، ومَن، ومن أين؟. مدينة صارت تكابد أسفل سلم ماسلو، وتجد في الكتاب واللوحة والموسيقى بطراً يستدعي شديد الاستنكار، وكثيراً من الضحك.

   فضاء المكتبة هو فضاء الكون، ومع المكتبة أنت مع بُعد خامس لا يكمِّل أبعاد المكان والزمان بل يحتويها، يوجزها.. بُعد لا تستطيع سبره بأي من الحواس الخمس. بُعد خفي، غير أنه هناك، في متناول الروح.. الروح المعذبة التي كانت، في مدينة مثل بعقوبة، وخلال سني التسعينيات المخربة، بأمس الحاجة، من أجل أن لا تختنق، إلى فضاء مكتبة.

   إلى يمين المكتبة محل لبيع الثلج، وآخر للبقالة. إلى يسارها محل لتصليح الدراجات الهوائية.. في الجانب المقابل مطعم صغير، وبائع شاي، وثلاث محال متجاورة، الأول لبيع العطور وماكياجات النساء، الثاني مغلق على الدوام، يبدو أن أحدهم يتخذه مخزناً لبضاعة ما، الثالث لبيع الملابس المستعملة. فتصور أن تضع بين هذا الحشد المتنافر نجيب محفوظ وعبدالرحمن منيف وهمنغواي وجان بول سارتر وسيمون دي بوفوار وطه حسين وحسين مروة ونصر حامد أبو زيد والجاحظ وابن خلدون وإدوارد سعيد وتشومسكي وميشيل فوكو وجورج طرابيشي وآخرين من تلك الكوكبة المتأنقة الغريبة وهي تديم فوضى السوق وتمنحها طابعاً مثقفاً، ولكن بشكل فكه. وفي وسط الدكان/ المكتبة كان هناك جذع ضخم لنخلة تخترق السقف، وربما اعتزازاً ارتأى المالك إبقاء تلك النخلة التي يمكن صعودها من السطح ـ سيستفيد، من الجذع، مؤيد فيما بعد لتعليق الإعلانات عن الأسعار وما شابه. ولأن السقف لم يكن ملتحماً تماماً حول الجذع فإن ماء المطر سيجد طريقه، في أيام الشتاء، ليبلل الكتب التي بقيت على الأرض على الرغم من الرفوف التي أنشأها لاحقاً. وسيكون هذا الأمر مصدر مشكلة ومحنة يضطره، أي مؤيد، مع أسباب أخرى، للانتقال، بعد سنتين أو أكثر، إلى محل آخر يبعد عن الأول بمسافة مائة متراً تقريباً.. مكان أكثر ملاءمة لاتخاذه مكتبة. إلى يمينها محل للكماليات النسائية، وإلى يسارها باب دار سكني، وأمامها إعدادية للدراسات الإسلامية.  

   حين جاء مؤيد بأكياس الجنفاص المملوءة بالكتب، ذات صباح خريفي من العام 1996، أحاطته وجوه مغرقة بالابتسام والدهشة، باعة ومتسكعون وفضوليون وأطفال ولصوص صغار وشطار عقد التسعينيات.. في البدء لم تكن هناك رفوف.. فرش مؤيد الكتب على الأرض على رصيف الدكان، وجلس على كرسي معدني قديم، يعلو وجهه وملابسه الغبار، وطوال الوقت كان يقابل ابتسامات الفضوليين والمناكدين والمشاغبين والمتعجبين والمعجبين بابتسامة عريضة مفعمة بالثقة والخجل والحيرة؛ هذه بضاعتي، من يشتري؟.

   وكانت تلك هي البضاعة الوحيدة، في سوق ذلك الزمان، التي تستطيع أن تقول عنها واثقاً، أنها ليست مغشوشة.

   لم يكن مؤيد سامي يصلح لشيء سوى لقراءة الكتب وكتابة الكتب وإدارة مكتبة.. كان العالم ” نفسه وأفراد عائلته وأصدقاؤه ووطنه.. هو والآخرون”  في عرفه، كتاباً لا بد أن يقرأ في كل يوم، وفي كل ساعة، ويؤول في كل مرة بشكل مختلف، أوسع وأعمق.. كان مستقبل العالم في ظنه ومخياله كتاباً يُكتب.. كتاباً عظيماً لا حدود لشساعته.. كتاباً يلخص بهجة الوجود وألمه ومعناه دفعة واحدة.. كتاباً مستحيلاً، على كل جيل أن يحلم به ويسعى لكتابته.

   لم يكن مؤيد سامي يصلح إلاّ لهذا، وفي اللحظة التي اختار فيها طريقاً آخر تحت وطأة الحاجة، وفي موسم اضطراب الأشياء، وغياب المنطق، اختار من دون أن يدري، أو كان يدري ولا خيار آخر لديه، سبيل الموت، ولكن؛ أي موت؟. أي موت مدوٍ فاضح عنيد كاشف لمأزقنا، وإخفاقنا، وغربتنا ونحن بين أهلينا، وشقائنا، وإفلاس أحلامنا، وبؤس وجودنا وهشاشته.      

   صارت المكتبة طوال سبع سنين واجهة غامضة، ولكن حية ومشاكسة لخلفية من الهواجس والانفعالات والأفكار والأماني والإحباطات والأحلام المتوهجة في نفوس ووعي جيل المحنة، من مثقفين وأشباه مثقفين وأدعياء ثقافة، وهواة قراءة، ودجالين، وأنصاف مخبولين، وسياسيين قدماء مترعين بالخيبات، ووكلاء أمن، ومتعلمين بدرجات متفاوتة، وطلاب جامعات، وطالبات يرفلن بالخجل، وأساتذة، ومتدينين بإفراط، ومتدينين باعتدال، وشكاكين، وملحدين، وواهمين، وأفاقين، وهلمجرا.. صارت المكتبة فضاء سردياً متداخلاً، وعراً، كثير التعاريج، لتجربة ذلك الجيل، في مدينة هي فسيفساء ديمغرافية مبرقشة، كما العراق ( أو هي خلاصته )، في فاصلة صعبة، مشوشة، ضاجة بالتناقضات، بالأعاجيب، وبالوعود.

 حتى ذلك الحين لم تكن تربطني بمؤيد علاقة صداقة قوية، فمؤيد كنت قد عرفته في شتاء العام 1994 بعد أن ناقشني حول قصة لي قرأتها في مهرجان مشترك بين اتحاد أدباء ديالى وكلية المعلمين، ولم نلتق عقب ذلك اليوم إلاّ لماماً، غير أن المكتبة كانت واقعة قرب الكراج الذي أستقل منه الحافلة التي تأخذني إلى حي الكاطون حيث كنت أسكن.. ولذا وفي غضون السنوات السبع، إذ بقيت المكتبة مفتوحة الباب، كنت ألتقي مؤيداً كل يوم تقريباً.. كل يوم أجلس هناك على كرسي، أطيل النظر في العنوانات، وأقلِّب الأوراق، وأقرأ، وأثرثر.. ويوماً بعد يوم كانت علاقتنا تترسخ أكثر وأكثر، تديم نسغها نقاشاتنا المتعمقة في قضايا السياسة والثقافة والأدب والفكر، وفي شؤون الكتب، وحيوات الكتّاب. وأحسب أن تلك النقاشات بالغة الخصوبة قد أمدتني لا بأفكار ومشاريع كتابات جديدة فحسب، وإنما بقوة معنوية عالية وإيمان أكيد بأهمية وضرورة أن أواصل الكتابة.. أن أكون كاتباً في هذا العالم.. لقد كرس فيَّ مؤيد القناعة بجدوى الكتابة.. بالجدوى الفذة للكتابة. وفي هذه الآونة قرأت عشرات ومئات الكتب القديمة والحديثة، إذ كان مؤيد يجازف بجلب الكتب الممنوعة وغير الممنوعة، واستنساخها. وأعترف أنني قرأت لكتّاب عرب وعالميين للمرة الأولى، وقرأت كتباً ما كانت تتاح لي فرصة قراءتها لولا تلك المكتبة/ مكتبة مؤيد سامي. وكان مؤيد قد ابتكر طريقة مثيرة في التعامل مع القراء وهي الاستعارة، أي أن بإمكان القارئ استعارة الكتاب مقابل مبلغ محدد يحسب على كل يوم، ويزداد كلما طالت مدة الاستعارة مما كان يجبر المستعيرين على إنهاء قراءة الكتب في فترات أقصر.

    انقلبت المكتبة بمرور الزمن إلى ملتقى للمثقفين ومدعي الثقافة، ولعشاق الأدب والفكر والفن، وحتى السياسة، فأصبحت بؤرة مريبة من منظور رجل الأمن، وواحة فكر ثرية من منظور من له شغف بالثقافة والأدب، ومتنفساً منعشاً لمن يريد الكلام في السياسة ونقد الحكومة، ومكاناً غير اعتيادي يلتقي فيه غريبو الأطوار من وجهة نظر رجل الشارع الاعتيادي، ومساحة خطيرة بحسب رأي هؤلاء جميعاً.

   تاريخ مكتبة مؤيد سامي هو تاريخ أشخاص وتحولات أفكارهم وقناعاتهم، في السنين التي سبقت سقوط نظام صدام حسين واحتلال العراق في 9 نيسان 2003.. تاريخ مدينة تصب هواجسها وأحلامها ومخاوفها وآلامها وتصوراتها عبر موشور الوعي لأولئك الأشخاص في حدود ذلك الدكان الذي لا تتعدى مساحته الثمانية أمتار مربعة. ومن خلال تقصي ورصد ذلك التاريخ الإشكالي الشائك يمكن الوقوع على تاريخ البلد كله/ العراق وهو يمور ويعتمل ويتفاعل في هذر وثرثرة وحوارات مرتادي المكتبة الذين صاروا أصدقاء بهذه الطريقة أو تلك، بهذه الدرجة أو تلك.. أصدقاء كانوا متجاوزين لضيق ومحدودية هوياتهم المذهبية والعرقية والعشائرية ومتشبثين بهويتهم الثقافية التي عنوانها العراق، والإنسانية.

   في ذلك الفضاء الضيق بالمعيار الفيزياوي، والواسع سعة الدنيا بمعيار الثقافة نضجت أفكار وحصلت خصومات، وهاجت نفوس، وأينعت مشاريع أدبية وفكرية.. ومن خلال ذلك الفضاء عاد إلى القراءة مدمنو كتب ممن كانوا قد شفوا من دائها منذ زمن طويل، وعاد إلى الكتابة من كان قد كفر بجدواها منذ زمن طويل.. وصار يقرأ من لم يكن في أي يوم يطيق رؤية كتاب.. وفي ذلك الفضاء عرف طلبة الجامعات، ولا سيما في أقسام الدراسات الإنسانية والأدبية أهمية أن يعتنوا ببحوثهم. ووجد طلبة الدراسات العليا معيناً غنياً من المصادر والبحوث بين الرفوف المزدحمة بالكتب في المكتبة هذه، وكان بعضهم يجد ضالته في اختيار موضوع أطروحته، ويخطط لفصولها، هناك أيضاً.. وكان هذا الكائن المسمى مؤيد سامي بثقافته الموسوعية يلهم الجميع، ويدهش الجميع.

   كان مؤيد يناقش المغرمين بالأدب القديم والأدب الحديث ويسهب مع المهتمين في تفاصيل الماركسية والوجودية والسريالية والانطباعية والبنيوية والحداثة وما بعد الحداثة والتفكيكية وتاريخ الفن، ويفصل في مسائل الدين من فقه وحديث وتفسير وتاريخ أديان، ويستعرض النظريات الخاصة بعلم الاقتصاد وعلم الاجتماع والأنثربولوجيا، وقواعد اللغة ونحوها، والشعر والعروض، الخ، الخ…

   ذات يوم سألته؛ ألا تقول لي متى وكيف قرأت واستوعبت كل تلك الكتب؟!.

   قال؛ سلخت الشطر الأعظم من حياتي وأنا أقرأ.

   كان بإمكان مؤيد أن يكتب الكثير، لكنه لم يفعل إلا في القليل النادر وبدفع وتشجيع منّا، نحن أصدقاؤه.. كان يقول ويكرر القول؛ أجد متعتي الكبرى في القراءة، لا في الكتابة. ويردد قول الفيلسوف الفرنسي جاستون باشلار؛ اللهم أعطنا كل صباح كتباً كفافنا.

   قليلون في هذا العالم رددوا كلمة كتاب بقدر ما ردده مؤيد سامي.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى