ظواهر

هل العولمة ظاهرة جديدة؟

لو سألنا شخصا عاديا في أحد شوارع لندن او نيويورك او بانكوك عن معنى العولمة سيجيب بانها تشير الى النمو في أشكال الاعتماد المتبادل السياسي والاقتصادي المرتكز على التكنلوجيا الجديدة مثل الكومبيوتر الشخصي والانترنيت والتلفون والفاكس وكاميرات الدجيتل والتلفزيون والستلايت والطائرات السريعة ومحطات الفضاء. غير اننا سيتضح لنا لاحقا ان التكنلوجيا تمثل جزءا واحدا فقط في توضيح معنى العولمة الحالية.

تعريف العولمة

تشير العولمة الى (العمليات الاجتماعية المتعددة الأبعاد التي تخلق وتوسّع وتعدّد الترابط الاجتماعي العالمي المتبادل وتعزز الوعي لدى الناس بالارتباط العميق بين المحلي والبعيد). هذا التعريف يؤكد على الطبيعة الديناميكية للظاهرة، فتعزيز الترابط العالمي وتزايد الوعي بذلك الاتصال هو عملية تدريجية ذات اصول تاريخية بعيدة. فمثلا، المهندسون الذين طوروا كومبيوتر اللابتوب وطائرات السوبرسونك اعتمدوا على المبتكرين الاوائل الذين اخترعوا المحرك البخاري والتلغراف والتلفون والطابعة والوسائل الالكترونية. وهذه المنتجات بدورها اعتمدت ايضا في وجودها على ابتكارات تكنلوجية اكثر قدما مثل التلسكوب والبوصلة والدواليب المائية وطواحين الهواء والبارود وورق الطباعة والسفن. ولكي ننظر في كل السجل التاريخي سنصل تاريخيا الى ما هو ابعد من ذلك في مجالات التكنلوجيا والانجازات الاجتماعية مثل انتاج الورق ونشوء الكتابة واختراع العجلة وتهجين الحيوانات البرية وممارسة الزراعة وظهور اللغة واخيرا هجرة اسلافنا الافريقيين في بدايات فجر الانسانية.

وهكذا فان الاجابة على السؤال حول ما اذا كانت العولمة تشكل ظاهرة جديدة ام لا تعتمد على البعد الزمني الذي نرغب الامتداد اليه في تتبّع سلسلة التكنلوجيا والترتيبات الاجتماعية الحديثة. بعض الباحثين يقصر الاطار التاريخي للعولمة بالعقود الاربعة الاخيرة لما بعد التصنيع لكي يتمكنوا من الامساك بالمواصفات والمقاييس الحالية. بينما يرغب فريق آخر بتوسيع هذا الاطار الزمني ليشمل التطورات في القرن التاسع عشر. ولايزال البعض يجادل بان العولمة تمثل حقا الاستمرار والتمدد في العمليات المعقدة بظهور الحداثة والنظام الرأسمالي العالمي قبل خمسة قرون. اما القلة المتبقي من الباحثن يرفضون تحديد اطار زمني للعولمة يقاس بالعقود او القرون، وهم يرون ان هذه العمليات كانت تحدث منذ الف عام.

لاشك ان كل من وجهات النظر تحتوي على تصورات هامة، فكما سنلاحظ ان مناصري الاتجاه الاول وفّروا دليلا قويا على نظرتهم بان التقدم الواسع والسريع في التواصل العالمي منذ السبعينات من القرن الماضي يمثل مفصلا هاما في تاريخ العولمة. اما أنصار الاتجاه الثاني يؤكدون على الارتباط المتماسك بين الاشكال الحالية للعولمة وبين انفجار التكنلوجيا او ما يسمى بالثورة الصناعية. اما ممثلي الاتجاه الثالث يشيرون بشكل سليم الى اهمية الانضغاط والتقارب المكاني الذي حدث في القرن السادس عشر، واخيرا فان المناصرين للاتجاه الرابع يطرحون نقاشا قويا حينما يصرون على ان اي تقييم شامل لموضوع العولمة يبقى قاصرا ان لم يدمج اشكال التطور القديمة والديناميكية التاريخية ضمن تاريخنا الحالي.

ان العرض التاريخي القصير الذي سنقوم به الان رغم طبيعته العامة الا انه يعطينا ادراكا هاما بان العولمة قديمة قدم الانسانية ذاتها، وهذا الايجاز التاريخي يحدد خمس مراحل تاريخية متميزة تنفصل كل واحدة عن الاخرى طبقا لسرعة التفاعل الاجتماعي وسعة الحيز الجغرافي لكل منها. هذا العرض التاريخي لا يعني بالضرورة وجود حقائق خطية للتاريخ ولا يدعم النظرة الاوربية المركزية الشائعة لتاريخ العالم. فتاريخ العولمة شمل كل الدول والثقافات الرئيسية في هذا الكوكب حاملا معه كل ما هو غير متوقع من عنف وتراجع وتوقف مفاجئ.ولهذا لابد من رفض الأحكام المسبقة على العولمة مثل فكرة الحتمية او فكرة اللاتراجع (Irreversibility)، ومن المهم ايضا ملاحظة حدوث القفزات التكنلوجية والاجتماعية المثيرة في التاريخ التي دفعت تلك العمليات من حيث الكثافة والمدى الى مستويات جديدة.

1- مرحلة ما قبل التاريخ

يبدأ تاريخنا الموجز للعولمة من 12000 سنة مضت عندما تمكنت جماعات صغيرة من الصيادين وجامعي البذور من الوصول الى الطرف الجنوبي لأمريكا الجنوبية. وهذا الحدث شكّل نهاية لسلسلة طويلة من عمليات الاستيطان للقارات الخمس من قبل اسلافنا الافارقة القدماء والتي بدأت منذ اكثر من مليون سنة. وعلى الرغم من وجود بعض الجزر الكبيرة في المحيط الهادي والمحيط الاطلسي التي لم تُسكن حتى اوقات متاخرة الا ان الانتشار العالمي الحقيقي للجنس البشري تحقق في نهاية المطاف. ان المحاولة الناجحة لقبائل امريكا الجنوبية اعتمدت على الجهود المثابرة للمهاجرين من اسلافهم السيبيريين الذين عبروا بحر البيرنك ستريت (Bering Strait) الى امريكا الشمالية قبل الاف السنين.

وفي هذه الحقبة المبكرة من تاريخ العولمة كان الاتصال بين الآلاف من الصيادين وجامعي البذور محدد جغرافيا وعادة يتم في وقت واحد. وهذا الشكل من الاتصال الاجتماعي تغيّر جذريا منذ عشرة الاف عام عندما اتخذ الانسان الخطوة الحاسمة في انتاج طعامه. ونتيجة لعدة عوامل، بما في ذلك التطور الطبيعي للزراعة ووجود الحيوانات الملائمة للتهجين والاختلافات بين القارات من حيث المساحة وحجم السكان، ادّت الى وجود مناطق معينة ملائمة للاستقرار والعمل الزراعي وكانت تتركز عند او بالقرب من مقاطعات اوراسين الواسعة. وهذه المناطق تقع في الاقاليم الخصبة في شمال وسط الصين وفي شمال افريقيا وشمال غرب الهند وفي غانا الجديدة. وبمرور الزمن ادّت وفرة الطعام المنتج من قبل الفلاحين ومربي الماشية الى زيادة السكان والى انشاء قرى دائمة وبناء مدن محصنة، فكانت كل من جماعات البدو والذين تخلفوا عن الالتحاق بقبائل معينة واخيرا الدول القوية كلها تعتمد على انتاج مواد التغذية الزراعية.

لقد جرى استبدال الطبيعة المرنة للصيادين والرعاة الاوائل بتركيب اجتماعي بطرياركي طبقي يتزعمه الرؤساء والكهنة الذين اُعفوا من واجب العمل الشاق. وكذلك في اول مرة في تاريخ الانسان كانت هذه المجتمعات الزراعية قادرة على تقديم الدعم لاثنين من الطبقات الاجتماعية التي لم يشترك اعضاءها في انتاج الطعام. احداهما مجموعة الحرفيين المتخصصين في العمل لأجل اكتشاف واختراع تكنلوجيا جديدة، مثل الادوات الحديدية الفعالة والمجوهرات الجميلة وقنوات الري المعقدة والفخاريات الرائعة وهياكل الأبنية والنصب التذكارية.

اما المجموعة الثانية كانت تتألف من البيروقراطيين ذوي المهن والجنود الذين سيقومون فيما بعد بدور حاسم في احتكار العنف لمصلحة الحكام، وكذلك احتساب الكميات الفائضة من الطعام الضروري لنمو وبقاء الدولة المركزية، وضم اقاليم جديدة وتأسيس طرق دائمة للتجارة واستكشاف مناطق بعيدة. كانت العولمة في عهود ما قبل التاريخ محدودة جدا، فلم تتوفر آنذاك التكنلوجيا المتقدمة القادرة على تجاوز الحدود الجغرافية والحواجز الاجتماعية القائمة، ولم يكن بالإمكان تحقيق تفاعل محسوس ضمن اطار جغرافي واسع، كانت فقط أشكال الادارة المركزية من زراعة ودين وبيروقراطية هي الاساس في تكثيف التبادل الاجتماعي والذي سوف يتطلب تزايد أعداد المجتمعات في عدة مناطق من العالم.

2- مرحلة ما قبل العصر الحديث

وتبدأ هذه المرحلة من سنة 3500 قبل الميلاد الى 1500 ميلادي، حيث ان اختراع الكتابة في بلاد وادي الرافدين ومصر ووسط الصين بين 3500 الى 2000 قبل الميلاد كان يقابله تماما اختراع العجلات في جنوب غرب اسيا عام 3000 قبل الميلاد. هذه الاختراعات الكبيرة قادت الى القفزات التكنلوجية والاجتماعية الهائلة التي نقلت العولمة الى مستوى اكثر تقدما. ساعدت العجلة في التعجيل باختراعات حاسمة لعمليات البناء التحتي مثل العربات التي تجرها الخيول والطرق الدائمة التي سمحت بالنقل السريع والفعال للناس والبضائع. وبالاضافة الى انتشار الافكار والبضائع، سهلّت الكتابة كثيرا في عملية التنسيق للفعاليات الاجتماعية المعقدة مما ادى بالتالي الى خلق المدن الكبيرة. وهكذا فان مرحلة ما قبل العصر الحديث هي عصر الامبراطوريات، حيث ان نجاح بعض الدول في تأسيس سيطرة دائمة على الدول الاخرى نتج عنه تجمعات اقليمية هائلة شكّلت الاساس في الممالك المصرية والامبراطورية الفارسية وامبراطورية مقدونيا والامبراطورية الامريكية للهنود الحمر والانكاس وامبراطورية الرومان والامبراطورية الهندية والخلافة الاسلامية والامبراطورية الرومانية الدينية والامبراطورية الافريقية لغانا ومالي والسنغال والامبراطورية العثمانية. وجميع هذه الامبراطوريات شجعت التوسع المتعدد الاستعمال في الاتصال مع الاماكن البعيدة وتبادل الثقافات والتكنلوجيا والسلع وكذلك انتشار الامراض.

وكان من بين اكثر التكنلوجيات تقدما في تلك المرحلة هي الامبراطورية الصينية التي كشفت عن ديناميكية مبكرة للعولمة. فبعد قرون من الحرب بين عدة دول مستقلة تمكنت قوات الامبراطور (كن) في عام 221 قبل الميلاد من توحيد الجزء الاكبر من شمال شرق الصين. وفي فترة الالف وسبعمائة سنة التي تلتها تمكن الملوك من السلالة نفسها وبمساعدة طبقة واسعة من البيروقراط تمكنوا من توسيع نفوذهم الى الاقاليم البعيدة في جنوب شرق آسيا والهند والبحر المتوسط وافريقيا الشرقية. وقد ساعدت الانجازات الفلسفية آنذاك على الوصول الى اكتشافات جديدة في حقول اخرى من المعرفة مثل الفلك والرياضيات والكيمياء وكانت السلسلة طويلة من الانجازات التكنلوجية التي تحققت في الصين خلال مرحلة ما قبل العصر الحديث منها المحراث المتطور وهندسة الهايدروليك والبارود ووضع الغاز الطبيعي في الانابيب والبوصلة والساعات الميكانيكية والورق والطباعة والمنسوجات الحريرية وتقنية المعادن المعقدة. ان بناء انظمة الري التي تتألف من مئات القنوات الصغيرة ساعدت في تعزيز انتاجية الزراعة في الاقاليم رافقها في الوقت نفسه توفير افضل وسائل النقل النهري في العالم. ومما ساعد في تطوير وتوسيع التجارة والاسواق هو قيام الصين بسن القوانين المنظمة الخاصة بالنقود من حيث تثبيت اوزانها وقياساتها وقيمتها. القياسات الدقيقة لحجم العربات المستعملة لأغراض النقل وما يقابلها من حجم الطرق، ساعد في تمكين الصينيين من اجراء حسابات دقيقة للكميات المرغوبة من السلع المصدرة والمستوردة.

وكان من اهم الطرق المستعملة في التجارة هو طريق الحرير الذي ربط الامبراطورية الصينية مع الامبراطورية الرومانية بمساعدة بعض التجار كوسطاء. وفي القرن الخامس عشر الميلادي شهد المحيط الهندي عبور الاساطيل الصينية الضخمة المؤلفة من مئات السفن مكونة محطات تجارية قصيرة على الساحل الشرقي لأفريقيا، ولكن بعد عدة عقود قام امبراطور الصين باعتماد سلسلة من القرارات السياسية الخطيرة اوقفت الملاحة البحرية مع الدول ومهدت للانسحاب من اي تطور تكنلوجي آخر، وبذلك فان حكام الصين كبحوا ثورتهم الصناعية الفتية وهو ما سمح للدول الاوربية الصغيرة بالظهور كلاعبين كبار يتابعون زخم العولمة.

وقبيل انتهاء عهد ما قبل العصر الحديث كانت شبكات التجارة العالمية تتألف من عدة خطوط تجارية متشابكة ربطت معظم الاقاليم ذات الكثافة السكانية في اوراسيا وشمال شرق افريقيا.وجود هذه الشبكات من الانتشار الاقتصادي والثقافي فتح السبيل امام موجات هائلة من الهجرة والتي بدورها قادت الى زيادة اخرى في السكان والى نمو سريع في مراكز المدن.غير ان الكثافة السكانية العالية وشدة التفاعل الاجتماعي ضمن المسافات البعيدة ادّيا الى انتشار اوبئة جديدة مثل الطاعون. هذا الوباء الذي انتشر في اواسط القرن الرابع عشر قتل حوالي ثلث السكان في الصين والشرق الاوسط واوربا.

الفترة المبكرة للعصر الحديث

وتمتد هذه الفترة من عام 1500 الى 1750. مصطلح الحداثة اصبح مقترنا بالقرن الثامن عشر الذي شهد مشروع التنوير الاوربي في تطوير العلوم الموضوعية وانجاز شكل عالمي للأخلاق والقانون وتحرير الناس والمنظمات الاجتماعية من الاساطير والاديان والاضطهاد السياسي. اما مصطلح الحداثة المبكرة فيشير الى الفترة بين التنوير والنهضة، بين هذين القرنين كانت اوربا وممارساتها الاجتماعية تشكل المحرك الجوهري للعولمة. وبما ان اوربا لم تساهم كثيرا في التكنلوجيا والانجازات الحضارية قبل الالف الميلادي فان الاوربيين في شمال غرب الالب استفادوا كثيرا من انتشار الابتكارات التكنلوجية التي نشأت في الثقافات الصينية والاسلامية. ان ظهور مراكز المدن الاوربية وما ارتبط بها من طبقة التجار مثّل عاملا مهما آخرا في تقوية ميول العولمة خلال فترة الحداثة الاولى. وبدمج القيم الجديدة للفردية والتراكم المادي اللامحدود تمكّن المغامرون من رجال الاعمال الاوربيين وضع الاساس لما سمي لاحقا بالنظام الرأسمالي العالمي.

غير ان هؤلاء الرأسماليين الجدد ما كان باستطاعتهم النجاح في التوسيع العالمي لمشاريعهم التجارية بدون الدعم الكبير من حكوماتهم. لقد انفق ملوك اسبانيا والبرتغال وهولندا وفرنسا وبريطانيا الكثير من الموارد في استكشاف عوالم جديدة وبناء اسواق اقليمية مترابطة حققت لهم الكثير من المنافع قياسا بشركائهم التجاريين الغرباء. وفي بداية القرن السادس عشر تأسست الشركات المساهمة الوطنية مثل الشركات الهولندية والبريطانية وشركة الهند الشرقية بهدف البدء بنشاطات تجارية دولية مربحة. وعندما اتسع حجم تلك الشركات المبدعة بدأت تكتسب السلطة في تنظيم معظم الاجراءات الاقتصادية بين القارات وفي عملية تطبيق المؤسسات الاجتماعية والممارسات الثقافية التي مكّنت لاحقا الحكومات الكولنيالية من وضع هذه الاقاليم الاجنبية تحت الحكم السياسي المباشر.

الفترة الحديثة من عام 1750 الى عام 1970

في اواخر القرن الثامن عشر كان كل من استراليا وجزر المحيط الهادي يندمجان ببطء مع الشبكة السياسية والاقتصادية والثقافية المسيطر عليها اوربيا. ونظرا للانطباع الذي تولّد لدى الاوربيين حول “الآخر” فانهم بدأوا يفترضون ان لهم دور في رعاية الاخلاق والقانون الدولي. هؤلاء المغامرون الاقتصاديون تمكنوا من نشر فلسفة الفردية والمصلحة الذاتية الرشيدة التي مجدت قيم النظام الرأسمالي القائم على حرية السوق ويده غير المنظورة.

ان حجم التجارة العالمية ازداد بشكل دراماتيكي بين عام 1850 و 1914 في ظل الدعم من خدمات البنوك المتعددة الجنسية وتدفق البضائع عبر الدول بحرية، وفي ضوء نظام صرف الذهب الذي جعل من السهل تداول العملات الدولية الرئيسية مثل الباوند الاسترليني والجلدر الهولندي. جزء كبير من عالم الجنوب خضع مباشرة تحت السيطرة الكولنيالية. وفي عشية الحرب العالمية الاولى بلغت نسبة البضائع التجارية من الناتج الاجمالي حوالي 12%. كذلك ساعد نظام التسعير العالمي في تسهيل التجارة للبضائع ذات الاهمية الخاصة مثل الحبوب والقطن والمعادن، وظهرت لأول مرة اسماء الماركات التجارية الشهيرة مثل كوكاكولا وماكنات سنجر. ولكي يصبح لتلك الشركات حضورا دوليا بدأت شركات الاعلان الدولية بشن حملات دعائية مكثفة عبر الحدود بهدف الترويج وزيادة المبيعات. وتماما كما يعتقد ماركس وانجلس ان ظهور البرجوازية الاوربية وما رافقها من تكثيف للترابط العالمي لم يكن ممكنا لولا القفزة الانفجارية في العلوم والتكنلوجيا في القرن التاسع عشر.

وعلى الجانب الاخر ادّت شبكة القطارات والسفن المتطورة والنقل الجوي الى التغلب على الحواجز الجغرافية وبالتالي تأسيس بنية تحتية عالمية رافقها خفض في تكاليف النقل. هذه الابتكارات استُكملت بالتطور المذهل في الاتصالات التكنلوجية فكان اختراع التلغراف وما جرى عليه من تطوير بعد عام 1866 ساهم في نقل المعلومات بسرعة بين طرفي الكرة الارضية. هذا التلغراف وضع الاساس لتطوير التلفون واتصالات الراديو اللاسلكية ممهدا لظهور شركات جديدة مثل (AT&T). واخيرا شهد القرن العشرون الاستعمال الواسع للصحف والمجلات والافلام والتلفزيون والتي عززت من التقارب السريع لهذا العالم.

كذلك شهد العصر الحديث ايضا انفجارا غير مسبوق بالكثافة السكانية، فلو قارنّا سكان العالم وقت ولادة المسيح والبالغة 300 مليون نسمة مع عدد السكان عام 1750 البالغ 760 مليون نسمة، نجد ان سكان العالم وصل الى 3,7 بليون شخص عام 1970. الموجات الهائلة للمهاجرين ساعدت في تبادل الثقافات ونقل الاساليب الاجتماعية التقليدية، وادّت الى زيادة الانتاجية في دول مثل الولايات المتحدة وكندا.

الفترة المعاصرة (من عام 1970)

لاحظنا ان البروز السريع للترابط العالمي والتبادل منذ السبعينات يمثل قفزة اخرى في تاريخ العولمة، لكننا نريد معرفة ماذا يحدث بالضبط ولماذا اصبحت العولمة الكلمة السحرية التي شغلت الرأي العام وانتجت هذا الكم من الردود الاخلاقية المتصارعة؟ لابد من دراسة أبعاد العولمة الواحد بعد الآخر (البعد الاقتصادي والبعد السياسي والبعد الثقافي) مع التنبيه الى خطورة اختزال العولمة الى مظهر واحد لأن ذلك سيجنبنا الوقوع في الالتباس الذي حصل للعميان في محاولتهم تلمّس الفيل.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى