اسطورة

طائرات أندريه توبوليف الأسطورة: الحرب والسلام

احتفل الطيران الروسي والعالمي، يوم 10 تشرين الثاني/نوفمبر، بذكرى هامة: 130 عاما على ميلاد أندريه توبوليف (1888-1972)، مصمم الطائرات البارز في القرن العشرين والأكاديمي والأستاذ في العلوم التقنية والفريق الأول المهندس.
وسيذكر تاريخ الهندسة الميكانيكية العالمي اسم مصمم الطائرات الثقيلة إلى الأبد.

تعرض عليكم “سبوتنيك” أشهر الطائرات، التي صممها أندريه توبوليف بنفسه.

صنع أندريه توبوليف أكثر من 100 طراز من الطائرات، وتم إنتاج 70 منها بكميات كبيرة. سجلت طائرات توبوليف 78 رقما قياسيا ونفذت 28 رحلة جوية فريدة من نوعها.

تخرج أندريه توبوليف من معهد موسكو الإمبراطوري التقني. وقد حالفه الحظ أن يتعلم لدى مؤسس علم الطيران “والد الديناميكا الهوائية” الأستاذ نيكولاي جوكوفسكي. وأصبح المهندس الشاب رئيس قسم مركز معهد الديناميكا الهوائية، الذي أنشأه جوكوفسكي، وذلك بعد الثورة في عام 1917.
وقد كان توبوليف حينها يدرك حاجة روسيا إلى صناعة جديدة، صناعة الطيران، القادرة على تطوير وإنتاج الطائرات على نطاق واسع، إضافة إلى القاعدة المعدنية، التي تسمح بإنتاج كميات كبيرة من مواد الطيران الخاصة.
كان المصمم بداية يسمي جميع الطائرات بأول أحرف من اسمه واسم والده وعائلته “أ إن تي”. وكانت “أ إن تي-1” أول طائرة لأندريه توبوليف، التي صممها في عام 1923. وبعد عام، تم اختبار الطائرة المدنية أحادية
السطح “أ إن تي-2”.
في عام 1925، ظهرت قاذقة القنابل، ذات المحركين أحادية السطح “أ إن تي-4″، وكانت إحدى أفضل القاذفات في العالم حينذاك.

في عام 1932، تم تطوير طائرات أكثر تقدما على أساس “أ إن تي-4” – قاذفة القنابل الثقيلة، المزودة بـ4 محركات، “أ إن تي-6” (المعروفة باسم تي بي-3). وكان يصلح استخدامها كطائرة نقل للركاب أيضا. وقد استخدمت “أ إن تي-6” في عام 1937، لإنزال أول بعثة قطبية سوفييتية “القطب الشمالي-1″، بقيادة إيفان بابانين. وتم التوقف عن إنتاجها في عام 1938، لأنها أصبحت قديمة.
لكنها استخدمت في الحرب العالمية الثانية كقاذفات ثقيلة ليلية ولعمليات النقل، وتم إزالتها من الخدمة بشكل كامل في عام 1946.
في عام 1934، تم تطوير طائرة فريدة من نوعها، تحت إشراف توبوليف، هي الطائرة أحادية السطح متعددة الأغراض
“أ إن تي-20” “مكسيم غوركي”، التي تستوعب نحو 70 راكبا. وتم تزويدها بـ8 محركات، تسرع الطائرة إلى 220 كم/الساعة
معدات “أ إن تي-20“:
– كانت على متن الطائرة معدات تضخيم الصوت وتركيب الأفلام ومختبر للصور وطابعة ومكتبة.
– محطة رادار و4 مولدات كهربائية مستقلة.
– الطيار الآلي.
– معدات الطيران والملاحة، التي تعمل على مدار الساعة
– التحكم بمقود وجنيحات الطائرة عن بعد.
أشرف أندريه توبوليف في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي على تطوير طائرتين أحاديتي السطح، بمحرك واحد “أ إن تي-25” ومحركين “أ إن تي-37”. ونفذ طاقما فاليري تشكالوف وميخائيل غروموف، صيف عام 1937، رحلات بدون توقف من الاتحاد السوفييتي إلى الولايات المتحدة الأمريكي عبر القطب الشمالي على متن “أ إن تي-25”.
وفي خريف عام 1938، قام الطاقم النسائي لطائرة “أ إن تي-37″، المؤلف من الطيارين فالنتينا غريزودوبوفا وبولينا أوسيبينكو والملاح مارينا راسكوفا، بتنفيذ رحلة من موسكو إلى الشرق الأقصى (6450 كم)، مسجلا رقما قياسيا
عالميا بين أطقم الطيارين من النساء.
طائرة “أ إن تي-25”
قاذفة “أ إن تي-37”
نفذت طائرة “أ إن تي-42” (المعروفة باسم تي بي-7 أو بي إي-8) أول طلعة جوية لها في نهاية عام 1936، المصنوعة من قبل فريق مصممي مكتب التصميم توبوليف، تحت إشراف
فلاديمير بيتلياكوف.

أصبحت هذه الطائرة القوية السريعة المحمية، القادرة على التحليق على ارتفاعات كبيرة (مدفع بعيار 20 ملم ومدافع رشاشة بعيار 12.7 ملم و7.62 ملم)، أول قاذفة استراتيجية سوفييتية. وشكلت أساس القوات الجوية بعيدة المدى، التابعة للجيش الأحمر خلال الحرب العالمية الثانية. واستخدمت هذه الطائرات بالذات لقصف برلين في آب/أغسطس من عام 1941. وألقت “أ إن تي-42” في نيسان/أبريل من عام 1943، قنبلة، وزنها 5 أطنان على كونيغسبرغ.
وتم وقف إنتاج “أ إن تي-42″ (بي إي-8”) في عام 1945.
تم اعتقال توبوليف في تشرين الأول/أكتوبر من عام 1937 ووضع في سجن خاص – مكتب التصميم المغلق 29، حيث عمل مع غيره من خبراء صناعة الطيران المسجنونين، على تطوير القاذفة، ذات المحركين “تو-2″، التي دخل الإنتاج التسلسلي ولعبت دورا هاما في الحرب الوطنية العظمى. وتم إطلاق سراح المصمم توبوليف في تموز/يوليو من عام 1941. وسرعان ما تم نقل مكتب تصميم توبوليف من موسكو إلى قازان.
بعد أول استخدام أمريكي للأسلحة النووية في آب/أغسطس من عام 1945، أصبح من الواضح أن الاتحاد السوفييتي لن يتمكن من الرد بشكل مناسب في حال الهجوم النووي الأمريكي. لقد كان الاتحاد السوفييتي حينها يصنع القنابل النووية، لكن المشكلة كانت تكمن في كيفية توصيلها مباشرة إلى “مزرعة العم سام”؟ إذ أن موسكو لم تكن تملك قاذفات قوية بعيدة المدى مناسبة، لكنها كانت تملك عدة طائرات بوينغ “بي-29″، أجبرتها على الهبوط في الشرق الأقصى السوفييتي في عام 1944، وتمت مصادرتها في أوائل عام 1945.
وأمر ستالين، بعد أن دعا أندريه توبوليف إلى الكرملين، أن يصنع نسخة طبق الأصل منها بحلول منتصف عام 1947.
وكانت “بي-29” في ذلك الحين تجسيدا للتقنيات المتقدمة. وتم استخدام مواد لم تكن تستعمل من قبل الصناعة السوفييتية في صناعتها. ونجح مكتب تصميم توبوليف في صنع نسخة منها، تشابهها في المظهر الخارجي وقمرة القيادة والأنظمة الهيدروليكية والكهربائية، حتى أنه تمكن من تحسين الأداء القتالي قليلا. وتم استبدال المدافع الرشاشة الأمريكية بعيار 12.7 ملم بالمدافع السوفييتية بعيار 23 ملم، والمحركات الأمريكية بقدرة 2200 حصان بمحركات سوفييتية أقوى (2400 حصان). وشكلت محاكاة الطائرة الأمريكية “بي-29” خطوة كبيرة في إنتاج إلكترونيات الطيران السوفييتية: مشاهد الرادار وأجهزة تحديد الارتفاع وأنظمة الهبوط “العمياء” وأجهزة الملاحة ومعدات
المطارات الحديثة.
القاذفة الأمريكية “بي-29” سوبر فورترس
نفذت قاذفة القنابل السوفييتية بعيدة المدى الأخيرة، المزودة بمحرك مكبسي “تو-4” أول طلعة جوية، يوم 9 أيار/مايو من عام 1947.
تتمكن “تو-4” من قصف القواعد الأمريكية في أوروبا
وفي أسوأ الأحوال، كانت عدة أطقم من هذه الطائرات مستعدة لتنفيذ “الرحلة الانتقامية” إلى الولايات المتحدة دون فرصة للعودة. ولكن في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي بدأت عملية استبدال “تو-4” بالطائرات النفاثة وطائرات الدفع التوربيني.
وانتهى بذلك عهد الطائرات المكبسية.
قاذفة “تو-4” في متحف القوات الجوية في قرية مونينو
في تموز/يوليو من عام 1951، وافق أندريه توبوليف على مسودة تصميم قاذفة قنابل قادرة على نقل القنبلة النووية على نفس مسافة “تو-4″، ولكن أسرع. وكانت محمية أكثر من النتائج الضارة للانفجار النووي. وهي قاذفة القنابل الاستراتيجية “تو-16” – القاذفة الاستراتيجية النفاثة، المزودة بنظام التزود بالوقود في الجو (رمز الناتو: Barger).
المختبر الطائر لتجريب المحركات الجديدة على أساس طائرة “تو-16”. “أفياصالون-90”.
صمم الاتحاد السوفييتي خلال 10 سنوات أكثر من 1500 طائرة من طراز “تو-16” وتم تعديل 11 نسخة منها. وقد استخدمت هذه الطائرات في الاتحاد السوفييتي وروسيا حتى عام 1994. وما يزال الجيش الصيني يستخدم النسخة الصينية المرخصة منها “Xian H-6” حتى الآن.
وصمم مكتب توبوليف أول طائرة ركاب نفاثة “تو-104″، في عام 1955، على أساس “تو-16”. وكانت تختلف عن الاستراتيجية فقط بتوسيع هيكل الطائرة وتمكينها من استيعاب 70-110 ركاب. وصنعت على أساس “تو-104″، طائرة “تو-124” الإقليمية، التي تتسع لـ56 راكبا. ومن ثم بعد إعادة تصميم المخطط وإطالة هيكل الطائرة وتركيب محركات جديدة تم صنع “تو-134” لـ80 راكبا، طائرة الركاب السوفييتية الأكثر شعبية. وتم التوقف عن استخدامها في الطيران المدني الروسي، لكنها ما تزال تستخدم من قبل الجيش.
الطائرة النفاثة “تو-104”
تفريغ الشحنات من طائرة الركاب ذات الدفع التوربيني “تو-104” إلى سيارة خاصة. موسكو، مطار فنوكوفو.
طائرة الركاب “تو-124” تحلق فوق الغيوم
عمال مصنع بيرم لبناء المحركات يقومون بتجميع محركات طائرات الركاب “تو-124″ و”تو-134”
قمرة قيادة “تو-134” لشركة “إيست لاين”.
طائرة “تو-134” على مدرج الطيران في معهد تشيليابينسك العالي للطيران الحربي خلال رحلة تجريبية.
طائرة “تو-134” على مدرج الطيران في معهد تشيليابينسك العالي للطيران الحربي خلال رحلة تجريبية.
يتم تصدير “تو-134” بنشاط، بما في ذلك إلى فيتنام
قاذفة أخرى خضعت لعدة تعديلات، وهي القاذفة الأسرع من الصوت بعيدة المدى “تو-22إم”، التي شاركت في عدد من الحروب (من أفغانستان إلى سوريا).

ماتزال هذه الطائرة في الخدمة حتى الآن. وعلاوة على ذلك يتم تحديثها مرة أخرى. إذ ستحصل “تو-22إم3إم” على أحدث المحركات و”حشوة” داخلية جديدة، إضافة إلى نظام التزود بالوقود في الجو (لم يكن هذا النظام موجود في “تو-22″ و”تو-22إم”).
ستتمكن من حمل صواريخ “كينجال” الأسرع من الصوت الحديثة والصواريخ المجنحة ذات المدى الطويل، التي ستشكل أنظمة قتالية حديثة كاملة للطيران بعيد المدى للقوات المسلحة الروسية، لتكمل حاملة الصواريخ الاستراتيجية المحدثة “تو-160إم2”.
في آذار/مارس من عام 1951، قررت حكومة الاتحاد السوفييتي صنع قاذفة استراتيجية عابرة للقارات. وبدأ مكتبا التصميم أندريه توبوليف وفلاديمير مياسيشيف بالعمل عليها. وقرر توبوليف بناء طائرة ذات دفع توربيني مع نظام التزود بالوقود. وقد وفرت المحركات الاقتصادية نطاقا أوسع ووقت طيران أكثر. وبذلك ولدت القاذفة الأسطورية الخارقة للصوت “تو-95” (رمز الناتو “الدب”). وتم اعتمادها من قبل القوات المسلحة في عام 1956. وخضعت لعدة عمليات تحديث، وماتزال “تو-95 إم إس” في الخدمة حتى الآن.
وهي القاذفة الاستراتيجية التوربينية الوحيدة في العالم.
القاذفة الاستراتيجية “تو-95إم إس” خلال المعرض الدولي السادس للطيران والفضاء “ماكس-2003” في جوكوفسكي
طائرات “تو-95إم إس” خلال عرض الطيران ضمن إطار المهرجان الجوي في جوكوفسكي بالقرب من موسكو، بمناسبة الذكرى الـ100 لتأسيس القوات الجوية الروسية
القاذفات الاستراتيجية “تو-95 إم إس” خلال استعراض القوات الجوية تحلق فوق الساحة الحمراء في موسكو خلال بروفة العرض العسكري، بمناسبة الذكرى الـ71 للنصر في الحرب الوطنية العظمى
تفحص قاذفة القنابل الاستراتيجية “تو-95إم إس” قبل الانطلاق من القاعدة الجوية الروسية في مدينة إنغيلس، إقليم ساراتوف
:”ميزات “تو-95إم إس
أقوى محركات توربينية في العالم “إن كا-12”
15000 حصان، الوزن عند الإقلاع 10.2 طنا
المدى الطويل للعمليات
إلى 13500 كم
أحدث الصواريخ المجنحة
تسمح الصواريخ لطائرة “تو-95” بمهاجمة الأهداف دون دخول مجال الدفاع الجوي للعدو
أثبت الاستخدام القتالي لـ”تو-95إم إس” في سوريا، أنها ليست مجرد “وسيلة للردع النووي”، بل هي أيضا سلاح حقيقي للحروب.
وفي منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، طرحت في مجال مسألة طائرات الركاب الأسرع من الصوت في مجال الطيران العالمي. وبدأ العمل على المبادرة الأولى لطائرة الركاب الأسرع من الصوت في مكتب التصميم أندريه توبوليف في أوائل الستينيات. واتخذت الحكومة، عام 1963، قرارا رسميا بصنع طائرة سوفييتية أسرع من الصوت، تستوعب 100 راكب ويصل مداها إلى 6500 كم. ونفذ طاقم الطيار إدوارد يليان أو طلعة جوية تجريبية لطائرة “تو-144”.
في تموز/يوليو من عام 1969، كسرت “تو-144” حاجز الصوت على ارتفاع 11 كم. واخترقت خط “2 ماخ” بعد عام، إذ وصلت سرعتها إلى 2150 كم/الساعة على ارتفاع 16.3 كم.
ظهرت الطائرة في عدد من المعارض الجوية الدولية. وأثارت اهتمام الزوار والخبراء. وكان كل شيء يدل على مستقبل واعد لـ”تو-144″.
ولكن بعد وفاة أندريه توبوليف، تعرضت “تو-144” لعدة حوادث، لتنفذت رحلتها الأخيرة في عام 1999.
وبقي حتى الآن 8 طائرات “تو-144″، 7 لدى روسيا وواحدة لدى ألمانيا.
وتستخدم القوات الجوية الروسية حتى الآن آخر طائرات ركاب “سوفيتية” من تصميم مكتب توبوليف “تو-154إم”. كما تملك الحكومة الروسية الطائرات الحديثة متوسطة المدى “تو-214”. وتنفذ هذه الطائرات مهمة “الطائرة الأولى” – طائرة الرئيس الروسي – في حال عدم إمكانية استخدام الطائرة الأساسية “إيل-96”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى