جريمة

طفل جزائري انتحر بسبب «كونان».. لماذا يجب أن تتوقف كل برامج الجريمة على التلفزيون؟

تتنافس القنوات التلفزيونية على تسويق مواد إعلامية من خلال عرضها  لبرامج اجتماعية متباينة العناوين، متشابهة المحتوى، يصب مضمون مجملها في خانة الإجرام، حيث إنها ترصد عن طريق ملفات مدرجة في المحاكم قضايا لجرائم نكراء تم الفصل النهائي فيها من قبل القضاء.

هذا ما أثار الجدل بين حقوقيين ساخطين ورافضين لهذا النوع من المحتوى، ويعتبرونه نافذة للتشهير بالأشخاص وانتهاكاً للخصوصية، ناهيك عن التشجيع على ارتكاب الجريمة بكل أركانها، وثمة إعلاميون يرون أنها بوابة لنشر التوعية والدعوة إلى تنبيه المشاهد إلى مخاطرها (الجريمة).

هذا ما يأخذ بنا إلى التساؤل عن نوع تأثير هذه البرامج على المتلقي وممثل الجريمة على السواء؟ هل عرض هذا النوع من المحتوى يعتبر انتهاكاً لأخلاقيات المهنة؟ ما هي الأطر  القانونية المستند عليها لإعادة تمثيل الجريمة إعلامياً؟

تغذية لنزعة العنف:

أصبحت وسائل الإعلام المرئية حسب عديد الدراسات التي أجريت فيما سبق لتقييم تأثير البرامج ذات الطابع الاجتماعي والتي تقدم محتوى يتم فيه إعادة التمثيل لمختلف الجرائم البشعة من قتل وتنكيل بجثث ضحايا العنف داخل المجتمع، خطراً على مستقبل الصورة، حيث إن العالم النفساني ألبرت باندورا يرى أن السلوك العدواني والعنيف هو سلوك متعلم من خلال مشاهدة نماذج  منه عبر وسائل الإعلام والأقران والأسرة، وتعد وسائل الإعلام حسب نظرية التعلم  لنفس العالم من أهم مصادر اكتساب السلوكيات العنيفة، حيث إن المشاهد لوسائل الإعلام المرئية لديه القدرة وإمكانية تعلم السلوك العدواني من خلال ما يعرض من مضامين وبرامج، وإن المشاهدة تزيد من احتمال تعلم السلوك المنحرف، ويؤكد صاحب هذه النظرية أنه باستطاعة الفرد تعلم وتقليد سلوك الشخصيات العدوانية التي تقدم كنماذج ليقتدى بها، وتوفر فرص تعلم السلوك العدواني(1).

ففي سنوات قليلة ماضية أفاق سكان ولاية تيزي وزو على بعد 100 كم شرق العاصمة الجزائر مثلاً على خبر وفاة طفل يدرس في المرحلة الابتدائية، كان يحب كثيراً الفيلم الكرتوني «المحقق كونان» الذي يعرض على قناة «سبيس تون»، وفي أحد المشاهد رأى شخصية من الفيلم وهو يضع حبلاً حول عنقه وينتحر ثم بعد فترة يعود للحياة وهو أكبر وأقوى من ذي قبل، فتأثر الطفل بذاك المشهد  وأخبر زملاءه في المدرسة أنه سيقوم بعمل لم يسبق له مثيل، وقام بتوديع جميع زملائه بالمدرسة واحداً واحداً، وهو  يقول لهم انتظروني.. سأعود، ولم يفهم أحد قصده حتى وجد معلقاً بحبل ملفوف حول عنقه داخل  المنزل(1).

فإذا  كان هذا هو حجم  التأثير السلبي لهذه المواد الإعلامية المرئية على المتلقي، فكيف له على ممثل المحتوى ومعايشة أحداث الجريمة بكل حيثياتها؟

نشر للوعي:

يرى البعض من مقدمي برامج الجريمة أن هذه المواد الإعلامية الهدف منها التحسيس والتوعية بخطورة الأفعال التي تعرض، وكذا بمثابة رسالة تنبيه للمشاهد حول مختلف أشكال التحايل التي يمكن أن يقع فيها من طرف المجرمين، وأن إعداد هذه البرامج يتم بحرص شديد لبثها بشكل مقبول ومستساغ لدى المشاهد.

كما أن هذه البرامج تهدف إلى تقريب المتلقي من الأحداث، من خلال تقديمها في قالب إنساني واقعي، خاصة وأنها تعرض بعد الفصل النهائي فيها من قبل الجهات القضائية، كما أنها في الغالب يعتمد فيها على أسماء ليست حقيقية للشخصيات وبالتالي تحافظ على خصوصية كل الأطراف؛ جناة أو ضحايا كانوا.

السند  القانوني:

غياب النص القانوني الصريح الذي يمنع عرض القضايا الإجرامية عبر الإعلام بعد الحكم النهائي فيها، يؤدي ببعض المنابر الإعلامية المرئية إلى السقوط في بوتقة المخالفات، وعليه لابد من الحذر والتقيد بأخلاقيات المهنة وطغيان  الضمير  المهني تجنباً للبعث برسالة خاطئة، عوض أن تنشر الوعي للحد من الإجرام تنمي بدله ثقافة الجريمة.

فالدور الذي على الإعلام أن يلعبه هو المشاركة في تعزيز الأمن داخل المجتمع والوقاية من الجريمة والانحراف، من خلال بث البرامج التي تبين مخاطر بعض الآفات المنتشرة في المجتمع، والتوعية بأسباب انتشارها وانعكاساتها على أمن المجتمع واقتصاد الدولة، وتبين جهود أجهزة الأمن في مواجهتها وحث المواطنين على المشاركة في مكافحتها والوقاية منها(1).

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى