معالم قديمة

اللد القديمة… قصّة بقاء معالم فلسطينية مدحورة

للوهلة الأولى، حينما يدخل أي زائر إلى البلدة القديمة في اللد، يعتقد أن الزمن قد توقف منذ مئات السنوات، بحيث يجد بضعة معالم عربيّة على وشك الاندثار، وبعضها على وشك النسيان. لم يكن حال هذه المدينة الشامية العريقة كذلك إلا بعد نكبة حرب فلسطين 1948، إذ شرعت سلطات الاحتلال الصهيوني حينها بهدم معظم بيوت البلدة القديمة، وحوّلت المساحات الفارغة إلى موقف للسيارات القريب من سوق الخضار والفواكه المركزية.
والمعالم التي لم تهدم هي: مصبنة الفار، الجامع الكبير، كنيسة مار جريس، خان الحلو ومعصرة زيتون. ولكن للأسف، فقط الجامع والكنيسة بقيا المعالم الفعّالة. أمّا باقي المعالم، فأصبحت كباقي أملاك “الغائبين” مهجورة وحزينة.
وفي حديث لـ “العربي الجديد” مع غسّان منيّر، من سكّان البلدة القديمة في اللد، أوضح عدة معلومات عن تاريخ الكنيسة قائلاً: “القديس جورجيوس كان من سكّان مدينة قبدوكيا المتواجدة في تركيا اليوم؛ والتي كانت جزءا من الإمبراطوريّة الرومانية. حينما اعتنق المسيحيّة، تمّت مطاردته ومن ثم قتله (قطع رأسه) بعد عدة محاولات فاشلة. وبسبب تواجد والدته في اللد (ديوسبوليس في وقته)، تم نقل رفاته إلى اللد وموقع قبره اليوم تحت الكنيسة الحالية”.
يتابع “للأسف حاليًا هنالك بُعد بين الكنيسة والرعية الأرثوذكسيّة، بحيث نجد عدم تجاوب من قبل الكنيسة والبطريركيّة الأرثوذكسيّة تجاه الرعيّة العربيّة التي يقدر عددها بألف نسمة. البُعد يبدأ من خلال الصلوات التي تتلى حتى يومنا باللغة اليونانيّة وليس بالعربيّة، ومن ثم نرى أنهم لا يتواصلون مع كاهن الرعيّة، وهذا الأمر مؤسف جدًا، لأننا في غنى عن ذلك، ولأن على الكهنة أن تصون البشر وليس فقط الحجر”. وأضاف “نأمل أن تأخذ الكنيسة مبادرة في مساعدة المؤمنين، وليس فقط لترميم الحجر، إنما في الدعم المادي والمعنوي لنا من خلال مبادرات متعدّدة”.
وقال منيّر: “بيت جدّي كان ملاصقًا للدير، وبما أنه في الحقبة العثمانيّة كان هنالك تخوف من قبل أصحاب الأراضي والأملاك من خسارة أملاكهم وأراضيهم للحاكم العثماني، تم إيداع هذه الأملاك تحت اسم الكنائس، وبالفعل هذا ما فعل جدّي حينها، بحيث أعطى الكنيسة الأرثوذكسيّة في اللد جميع أملاكه الملاصقة للدير، وعلى هذا الصعيد أذكر أن والدي كان يروي لنا عن لجوء بعض من أهالي اللد (ما يقارب الخمسمائة شخص) خلال النكبة، ودخول الجيش الإسرائيلي إلى المدينة التي تم تجريدها من سكّانها، وطردهم في اتجاه الشرق لرام الله والأردن، وفي تلك اللحظات التجأ الناس إلى الدير، وسكنوا فيه لمدة عام ونصف العام؛ وذلك بسبب الحكم العسكري الذي فُرض على أهالينا مثل باقي المدن الفلسطينيّة”.
أما عن معالم الكنيسة فقد حدّثنا الأب نيقوديموس قائلاً: “هذه هي الكنيسة الثالثة، بحيث تم بناؤها على أنقاض كنيستين. الأولى هدمت منذ مئات السنين، والثانية زمن صلاح الدين الأيوبي الذي أراد الانتقام من الصليبيين على هدمهم لمعالم المسلمين في البلد. والثالثة بنيت زمن العثمانيين، وتقريبًا عام 1872، بحيث تبرّعت عائلتا منيّر وحبش على نفقتهما الخاصة ببناء وترميم الكنيسة، التي كانت مهملة منذ مئات السنوات، واستغلت حجارتها لبناء جسر جنداس القائم حتى يومنا هذا، والجامع الكبير الذي تم بناؤه بالقرب من الكنيسة وعلى أرضها، بحيث تم أخذ ما يقارب ثلثي مساحة الكنيسة الأولى؛ والتي كانت ثالث أكبر كنيسة في العالم آنذاك”. وأضاف: “هنالك العديد من السياح المسيحيين والمسلمين الذين يزورون اللد، وبشكل خاص هذه الكنيسة بسبب أهميتها الدينيّة للجميع، بحيث نشهد كل سنة احتفالات مار جريس؛ والتي يزور فيها الكنيسة الآلاف من الحجّاج”.

جنداس
رغم النكبة، التي مرّت على اللد بشكل عام وبشكل خاص البلدة القديمة، وجدنا ولأوّل مرة في الحيّ بقعة أمل فلسطينيّة على شكل دكّان للمطرّزات الفلسطينيّة الأصيلة؛ والتي يملكها السجين المحرّر، مخلص برغال، من سكّان اللد؛ والذي قال لـ “العربي الجديد”: “كان موقع هذه الدكان تحت بيت جدتي، ووجدت أنه من أفضل البقع في البلدة لأفتتح فيه متجرا للمشغولات الفلسطينية التراثية. وبشكل عام هنالك حاجة إلى إعادة المطرّزات الفلسطينيّة والمشغولات التراثيّة إلى اللد التي كانت مدينة مركزيّة قبل النكبة التي حلّت علينا عام 1948، وأعطيت اسم جنداس للدكّان بسبب الرمز التاريخيّ لهذا الاسم”. وبحسب رأي صاحب المشروع فإن “هذا يصيب أكثر من هدف لأنه جزء من مبنى قديم وقريب إلى الكنيسة والجامع، وهنالك إقبال من قبل السياح الذين يزورون الكنيسة أسبوعيًا. الفكرة هي أن نزيد من جمال البلد، وأن نعيد التراث والوعي الثقافي لأهل المدينة والمنطقة؛ وهذا يساهم في بناء الثقافة الفلسطينيّة من جديد”.

معالم تاريخية
أما بخصوص المعالم التاريخيّة، فمن يزر البلدة القديمة، يستطع مشاهدة ما تبقى منها من بعد النكبة، ألا وهي: خان الحلو (لعائلة الحلو- ضبيط)، بالإضافة إلى مصبنة آل الفار ومعصرة الزيتون لعائلة حسّونة اللديّة. جميعها مهملة من قبل السلطات الإسرائيليّة منذ عشرات السنين، بالإضافة إلى حرمان أهلها من تملّك هذه المباني، رغم وجودهم في البلدة وعدم تهجيرهم زمن النكبة!
وفي حديث مع المرشد السياحيّ، قال خليل أبو شحادة، ابن اللد، صاحب شركة “فنار” للسياحة البديلة في يافا والرملة واللد، لـ “العربي الجديد”: “السياحة الداخليّة والخارجيّة في اللد في وضع سيئ جداً؛ وذلك بسبب رفض اليهود المجيء إلى اللد بسبب الإجرام المتكاثر فيها، أما الفلسطينيون فيجهلون هذه المنطقة، وفقط النشطاء وطلاب الجامعات هم من يتعرفون عليها، وهذا يحصل مرة في الشهر”.
وأشار إلى أن وزارة السياحة الإسرائيليّة تتعمّد طمس أو تجاهل هذه المواقع، لكونها عربيّة وتشهد على التاريخ الفلسطيني العريق، لذلك نرى جميع الحافلات السياحيّة تقل السياح إلى الكنيسة، ومن ثم تعود بهم إلى البلدات الأخرى، ويتعمّد المرشدون الإسرائيليون التخطي عن المعالم المذكورة، رغم قربها من الجامع والكنيسة”.
وأضاف أبو شحادة: “حاليًا هنالك محاولة تهويد جديدة؛ وذلك بسبب الخوف من تكاثر السكان العرب الذين أصبحت نسبتهم ما يقارب الثلاثين بالمائة، لذلك تم إدخال عائلات يهوديّة من الخليل وغزة إلى اللد. كل هذه الأمور لا تصب لصالح المجتمع الفلسطيني، الذي تم تدمير أحيائه أيضاً بعد النكبة وبالتحديد في سنوات الستينيات، إذ مُسحت البلدة القديمة بالكامل. أما سبيل صبيح فهو أيضاً معلم يتجاهله الجميع وموقعه اليوم في الشارع السريع، الرابط بين الرملة واللد؛ وذلك لكونه محطة استراحة في الحقبات التاريخيّة القديمة”.
حاليًا هنالك مشروع “فسيفساء الأديان” بمبادرة محليّة، من خلال “صندوق اللد” المشترك؛ والذي سيشدد على “مثلث الأديان”، ومن خلاله سيتم تعبيد طريق جديدة من الجامع والكنيسة إلى شرقي المدينة، ومن ثم زيارة المتحف الذي سيقام في المستقبل.
ويحاول أهل اللد إعادة، ولو قليلا، أمجاد هذه البلدة التي كانت تعج بالحياة، ومثلت نقطة وصل بين المدن الفلسطينيّة ما قبل النكبة؛ والتي أنجبت الحكيم المناضل، جورج حبش.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى