معالم قديمة

من الفراعنة إلى الإمبراطورين العاشقين كليوباترا ويوليوس قيصر، كيف أثَّرت مصر القديمة على الحضارة اليونانية والرومانية؟

في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأميركية تنتشر منحوتات كبيرة، تتخذ شكلاً طويلاً مدبباً، مستوحاة من نماذج مصرية. أشهرها بالطبع نصب واشنطن.

يوجد كذلك نصب تذكاري آخر، في مدينة بوسطن، يحيي ذكرى معارك الاستقلال الأميركي، وهي «معركة بانكر هيل». كما تحتوي حديقة «سنترال بارك»، الواقعة في مدينة نيويورك على قطعة أثرية مصرية أصلية، يبلغ عمرها ثلاثة آلاف سنة، وتعرف باسم «مسلات كليوباترا».
مسلّات الرومان أم المصريين؟
تتخذ معظم هذه المنحوتات شكل «مسلّات». وتعود هذه الكلمة إلى الحضارة اليونانية القديمة، التي تعني الأسياخ الصغيرة. ولكن لماذا يرتبط هذا الاسم بالرومان وليس بالمصريين؟

New Dawn over Washington – with 3 iconic monuments illuminated at sunrise: Lincoln Memorial, Washington Monument and the Capitol Building.
يرجع ذلك إلى زمن بعيد، حيث أطلق زائرون يونان لمصر هذه التسمية على هذه الأعمدة الحجرية الغريبة التي لم يسبق لهم مشاهدتها قبل زيارة مصر القديمة، حسب صحيفة Washington post الأميركية.
والأمر سيان بالنسبة للإغريق، فعندما شاهدوا ما قام المصريون ببنائه في مدينة الجيزة، ذكرهم ذلك بكعك القمح الصغير الذي يتم صنعه في وطنهم، والمعروف باسم «pyramis». وقد علق هذا الاسم بالأذهان، لذلك ما زلنا نطلق على هذا المعلم التاريخي اسم «Pyramids» أو الأهرامات.
آثار يونانية ورومانية ببصمات مصرية قديمة
سلَّط معرض «Beyond the Nile: Egypt and the Classical World»، الذي استضافه مركز جيتي للفنون، الواقع في مدينة لوس أنغلوس، الضوءَ على كيفية مساهمة اللقاءات مع المصريين القدامى في تشكيل الحضارات اليونانية والرومانية. يعجّ المعرض بمنحوتات ساحرة، من بينها تماثيل نصفية لكل من الإسكندر الأكبر، ويوليوس قيصر وكليوباترا، والعديد من المنحوتات الشهيرة الأخرى التي تعود إلى قساوسة مصريين.
6
البوم الصور
كان العرض أقربَ إلى حفل كوكتيل استوائي، جمع بين أفراس النهر وأشجار النخيل، ناهيك عن راقصة أكروبات عارية تقف رأساً على عقب فوق تمساح النيل. يبرز هذا المعرض حقيقة واضحة، غفل عنها كثيرون، تتمثل في أن مصر كانت بالنسبة لليونان والرومان «العملاق الثقافي والسياسي في البحر المتوسط. وتعتبر كذلك أقدم وأعظم الممالك وأكثرها قوة في زمنهم، كما أنها أرض العجائب والغموض من دون منازع». ومن جانبهم، أكد عدد من أمناء المتاحف، على غرار Jeffrey Spier, Timothy Potts وSara Cole، هذا الأمر.
لقاء العاشقين والحضارتين
ومن الجوانب المثيرة بشأن قصة يوليوس قيصر والملكة كليوباترا، نذكر الصورة التي تجسدها، حيث تحيل إلى لقاء ليس فقط بين شخصيتين تاريخيتين تتسمان بسحر منقطع النظير، ولكنها أيضاً تصور لقاءً بين حضارتين عظيمتين. ومن غير الوارد ألا يخلد لقاء تاريخي مشابه، حسب صحيفة Washington post الأميركية. ويبرز معرض «Beyond the Nile»، أن لقاءات مشابهة في زمن كليوباترا قد جمعت بين مصر والحضارة اليونانية والرومانية، على مدى ألفي عام على الأقل. وقد كان لها عميق الأثر في تشكيل ملامح تاريخ الحضارات.
مصدر إلهام بالنسبة للحضارة اليونانية
كانت البداية من خلال اجتماع بعض المصريين بالمينوسيين من جزيرة كريت، في مرحلة تعود إلى ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد. أما الأدلة التي تؤكد على هذه اللقاءات فتأتي على شكل جعران (خنافس)، مصنوعة من الأنياب العاجية لأفراس النهر، وجدت في ركام المقابر الجماعية التابعة للحضارة المينوسية. وفي وقت لاحق، سجل تلاقح حضاري بين المصريين واليونانيين الموكيانيين. فعلى سبيل المثال، تُظهر بردية تعود إلى 1400 سنة قبل الميلاد، أن المرتزقة الموكينيين قد قاتلوا إلى جانب مصر ضد الغزاة الليبيين.

وفي القرن السابع قبل الميلاد، وبعد طول انقطاع، عاد الجنود اليونانيون إلى جنوبي مصر للقتال مع الفرعون ضد النوبيين. ويظهر ذلك من خلال الكتابات على الجدران التي تركها اليونانيون في المعالم الأثرية التابعة للفرعون رمسيس الثاني. ومن هنا، شرع النحت اليوناني في الظهور.
الحضارة المصرية القديمة ألهمت فن النحت اليوناني
لقد كانت الحضارة المصرية الدافع القوي لبروز الثورة اليونانية في مجال النحت، المعترف بها حتى يومنا على أنها من بين الأمجاد التي توجت الحضارة الغربية. لم يكن من الممكن أن يظهر فن النحت في الحضارة اليونانية القديمة، لولا ظاهرة الفنانين اليونانيين الذين كانوا يسافرون إلى مصر، ليعودوا إلى بلادهم ويحاولوا محاكاة المنحوتات والمهارات والإبداعات التي شاهدوها هناك. وتجسد المنحوتات الرائعة الموجودة في المعرض ضمن أول عرض لها الدراما المصاحبة لهذه التجربة بأبسط طريقة ممكنة. يظهر تمثال كبير للصبي Kouros اليوناني، المنحوت من الرخام قبل حوالي 520 سنة قبل الميلاد، إلى جانب تمثال مصري لكاهن، نحت من الحجر الجيري قبل قرن من الزمن تقريباً. ويُظهر التمثالان الجهة الأمامية من جسد الرجلين، في حين تمتد القدم اليسرى إلى الأمام، والذراعان مشدودتان إلى الجانب.

لا يعد Kouros اليوناني، الذي تمت استعارته من متحف الآثار الوطني في أثينا، أكبر فحسب، وإنما هو منحوت بشكل مفصل، حيث تظهر منحنيات الجسد الممتلئة. وقد تم إبراز عضلات البطن بدقة كبيرة ضمن التمثال العاري، على عكس تمثال الكاهن المصري الذي يرتدي ثوباً أو إزاراً. وتجدر الإشارة إلى أن جوانب الاختلاف الصغيرة هذه قد تزايدت أكثر فأكثر عبر العصور. ولكن لا يمكن البتة إنكار أوجه التشابه العميقة.
تشابه مدهش بين تماثيل اليونان والفراعنة
عند التجول أكثر داخل المعرض نجد تماثيل متشابهة بشكل ساحر. فعلى سبيل المثال، لدى Boston Green Head، وهي منحوتة صغيرة وواقعية للغاية تجسد كاهناً مصرياً من ممفيس في مصر السفلى، تعود ملكيتها لمتحف الفنون الجميلة في بوسطن، تمثال مطابق تقريباً في برلين. وقد عرض كلا التمثالين هنا في لوس أنغلوس، الأمر الذي يعد بمثابة إنجاز بالنسبة للمنظمين. هذه المرة، تعكس هاتان المنحوتتان النابضتان بالحياة تأثير الحضارة اليونانية على الحضارة المصرية، ضمن مسار عكسي للتبادل الثقافي. ونظراً لأن العلماء لم يتفقوا على الفترة التي نحتت فيها هذه التماثيل، سواء كان ذلك في نهاية العصر المصري القديم (حوالي 664-332 قبل الميلاد) أو في بداية العصر البطلمي، الذي بدأ بعد غزو مصر من قبل القائد العسكري الإسكندر الأكبر، لا يزال الجدل متواصلاً حول ما إذا كان المصريون قد تأثروا بشكل مباشر بالمذهب الطبيعي لدى اليونان. على العموم، لا يعد هذا الأمر ذا أهمية بالغة، حسب الصحيفة الأميركية. هناك أمر مثير للاهتمام والدهشة، على حد سواء، بشأن هذه التماثيل. فقد تم نحتها باستخدام الجرواق الأسود الباهت، وهي من المواد المفضلة لدى النحاتين المصريين. ويمكنك ملاحظة التجاعيد عند زاوية عين Boston Green Head، والخطوط غير المتماثلة على طرف أنفه، فضلاً عن الثؤلول الموجود على خده الأيسر، والمناطق المرتفعة والتجاويف الموجودة على رأسه المحلوق.

إنه لَأمر مذهل حقاً، فعندما تنظر إلى هذا التمثال، تشعر كما لو أن 2400 سنة قد اضمحلت ببساطة، كما لو أن كل مخلفات ومآسي التاريخ، والموت، والدراما، والفزع، قد تم محوها بلمسة من فرشاة عالم الآثار، أو كأن قوة مذهلة قد وضعتنا وجهاً لوجه مع عصر حديث ومألوف.
يوليوس قيصر وكليوباترا
توجد في المعرض منحوتات أخرى تتسم بروعتها اللامتناهية. فمن غير الممكن أن لا تنجذب إلى رأس تمثال يوليوس قيصر، الذي يعد أكبر من الحجم الطبيعي للرأس، وتشعر بالذهول أمامه. وقد تم نحته من المادة ذاتها التي استعملت في نحت Boston Green Head، ألا وهي الجرواق الأسود، والتي يتم استخراجها من الصحراء المصرية. ونجد كذلك رأس تمثال كليوباترا، الذي صُنع في الإسكندرية ولكنه اكتُشف في روما. ويعتقد العلماء أنه ربما تم عرضه في منزل أحد أنصار يوليوس قيصر الأرستقراطيين. وباعتبار أن كليوباترا كانت آخر حكام مصر البطالمة، فإنها كانت «مصرية» إلى حد ما. تعود سلالة البطالمة في مصر إلى بطليموس الأول، وهو جنرال مقدوني تابع للإسكندر الأكبر، نُصب على العرش بعد أن غزا مصر. وقد أسس مدينة الإسكندرية سنة 332 قبل الميلاد، كما قام بإجراء تغييرات جذرية في مصر.
عبادة الإسكندر الأكبر
أسس بطليموس ديانة تقوم على عبادة الإسكندر. وقد تم نحت رأس الإسكندر الأكبر بعد موته، حيث يظهر بشفتين ممتلئتين، وأنف مستقيم، وحاجبين كثيفين، وخصلات شعر طويلة ومموجة شبيهة بتسريحة نجم كرة قدم إيطالي. وقد بات من غير الممكن تمييز الإسكندر عن الإله. وينقل القسم الأخير من المعرض مراحل استسلام روما بعد اغتيال القيصر، لطغيان كل ما هو مصري. وعندما ظهرت ديانة إيزيس، قام الرسامون بتزيين الفيلات الرومانية بصور نيلية تضم نقوشاً لتماسيح وأفراس النهر.

لقد تم تجريد الحضارة المصرية الفرعونية من طابعها العظيم والزاخر بمفهوم الهيبة والفخر والاستبداد، لتصبح مجرد مرادف لكل ما هو عجيب وغريب. وبالتالي، ولَّد ذلك لدى الأوروبيين تصوراً معيناً عن شمال إفريقيا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى