شرائح رئيسيةفضاء

كيف ستكون الحياة من دون القمر!

كيف سيغدو كوكبنا دون القمر؟ حسناً، يمكن أن تشهد الأرض ارتفاعاً في درجات الحرارة ورياحاً عنيفة، كما يمكن أن تغمر المياه مساحات واسعة من الأراضي الطبيعية. يختلف اسم القمر وحتى جنسه من لغة لأخرى ولكن الأمر الثابت بخصوصه هو أنه عنصر رئيسي في الصورة التي نرسمها عن كوكبنا الأرض. فهل تستطيع على سبيل المثال أن تتخيل حال كوكب الأرض دون وجود القمر، أي دون وجود ذلك الجسم الساطع الذي ينير سماء الليل ويحوم في الأفق ويطل عبر الأشجار في ليل الشتاء البارد؟   المصدر: ErinTranfield / Goloverez /iStockphoto بالطبع ستغدو أمسياتنا في تلك الحالة خالية من ضوء القمر وما يحمله من معاني الرومانسية والحب، ومن دونه لن تستطيع البشرية تحقيق خطوتها العظيمة المتمثلة في الهبوط على سطحه. فأهمية القمر للبشرية لا تقف عند أي حد، فربما لولا وجوده لما وجدنا نحن. والآن دعونا نتخيل سيناريوهيْن: الأول يتمثل في عدم وجود القمر على الإطلاق، بينما الثاني يتمحور حول اختفائه بشكل مفاجئ. ولكن قبل الخوض في هذين الاحتمالين، دعونا نذكر أنفسنا بتأثيرات القمر على الأرض. الوقت والمد والجزر: تأثير القمر على الأرض يعتقد العلماء أن القمر تشكل بفعل اصطدام عالي السرعة، وذلك عندما اصطدم جرم سماوي بحجم كوكب المريخ تقريباً مع كوكب الأرض المتشكل حديثاً قبل حوالي 4,5 مليار سنة. اندمج الحطام المتناثر والبخار والصخور المنصهرة الناجمة عن الاصطدام مع الحطام الصادر عن الأرض وشكلا سوية حلقة أحاطت بكوكبنا الأرض. ومع مرور الوقت اندمج الحطام في الحلقة ليشكل ما يعرف اليوم باسم القمر. المصدر: NASA / JPL-Caltech عرض المزيد ما هو مصدر القمر؟ يبدو هذا التساؤل منطقياً نظراً لأن كوكب الأرض لم يمتلك قمراً خاصاً به على الدوام. تنص إحدى النظريات العلمية الرائدة في هذا الخصوص على حدوث اصطدام بين الأرض وبين جرم سماوي بحجم كوكب المريخ تقريباً يدعى بـ ثيا (Theia)، وذلك قبل حوالي 4,5 مليار سنة.   اصطدم هذا الجرم مع الأرض بزاوية مائلة، وقد أدى إلى تكون سحابة من الحطام الذي اندمج مع بعضه البعض ليشكل القمر. وبالطبع، كان لهذا الاصطدام نتائجه العميقة على كوكب الأرض. مارست الأرض والقمر المتشكل حديثاً قوة الجذب الثقالي على بعضهما البعض، وأدى ذلك إلى تباطئ دوران الأرض وإلى زيادة طول اليوم على سطح الأرض من خمس ساعات إلى أربع وعشرين ساعة (Touma & Wisdom, 1998). وما يزال القمر يتسبب في تباطئ دوران الأرض بمقدار ضئيل 0،002 ثانية في القرن (انظر الشكل 1). الشكل 1: تدور الأرض (A) ويدور حولها القمر (B). يتسبب الجذب الثقالي للقمر في حدوث الانتفاخ المدي (C)، أي يتم جذب الماء الموجود على سطح الأرض نحو القمر. 1) تدور الأرض بسرعة أكبر من دوران القمر حولها مما يتسبب في حدوث احتكاك نتيجة دوران اليابسة تحت تأثير الانتفاخ المدي. يؤدي هذا الاحتكاك بين اليابسة وبين الانتفاخ المدي إلى سحب الانتفاخ إلى الأمام (C) مما يجعله يتقدم على خط التجاذب بين القمر والأرض. 2) تلعب قوة الاحتكاك (F) بين الأرض وبين المحيط دور الكوابح، وتدعى هذه القوة بقوة الكبح المدية Tidal braking، وتعمل على سحب الأرض نحو الخلف في مدارها مما يؤدي إلى تباطئ مدار الأرض بشكل ملحوظ. كما ويؤثر الكبح المدي على القمر من خلال قوة (E) تسحب القمر في مداره نحو الأمام، وتساهم في زيادة سرعة دورانه. ويمكن القول إن ما سبق يشكل السبب الرئيسي الكامن وراء الزيادة البسيطة لمدار القمر، إذ أنه يتحرك أسرع من الأرض ولكن على نحو بطيء للغاية. المصدر: Nicola Graf عرض المزيد تساهم قوة الجذب الثقالي بين الأرض والقمر في استقرار ميل محور الأرض، ويؤدي الميل الثابت حاليا عند 23,5 درجة بدوره إلى امتلاك للأرض لمناخ متعدد الفصول ومستقر إلى حد ما وقابل للتنبؤ (الشكل 2). ولولا وجود القمر لاستمر محور الأرض بالتمايل. الشكل 2: تساهم قوة الجذب الثقالي بين الأرض والقمر في استقرار ميل محور الأرض، ويؤدي الميل الثابت حالياً عند 23,5 درجة بدوره إلى امتلاك الأرض لمناخ متعدد الفصول ومستقر إلى حد ما وقابل للتنبؤ. تتصف قوة الجذب الثقالي التي يمارسها القمر على الأرض بأنها ثابتة تقريباً، كما تتميز بأنها أقوى من تلك التي تمارسها الكواكب الأخرى على الأرض. ويعود سبب هذا كله إلى كون القمر يدور حول الأرض بشكل أقرب من الكواكب الأخرى. وبالتالي لولا وجود القمر لكانت الأرض عرضة للجذب من قبل بقية الكواكب عند دورانها حول الشمس: فعندما يكون المشتري قريباً من الأرض فسيعمل على جذبها في اتجاه معين، وعندما يكون المريخ قريبا فسيعمل على جذبها في الاتجاه الآخر. وبناءً على ما سبق، سيتم سحب الأرض من قبل عدة قوى مختلفة مع مرور الوقت مما يتسبب في تمايل محورها. المصدر: NASA / JPL عرض المزيد أحد المعالم المميزة لكوكب الأرض هي وجود المحيطات على سطحه، إذ يغطي الماء المالح ما نسبته حوالي 70% من سطح الأرض، و يرتفع وينخفض تبعاً لدورة المد كل 12,5 ساعة. تساهم كل من الشمس والقمر في حدوث ظاهرة المد والجزر على سطح الأرض، إلا أن تأثير القمر في هذه الظاهرة يفوق تأثير الشمس بضعفين. ويمكن تفسير هذا الأمر بأن قوة الجذب التي يمارسها جرم سماوي على آخر تعتمد على كل من كتلته والمسافة بينهما. تساهم كل من الشمس والقمر في حدوث ظاهرة المد والجزر على سطح الأرض، وذلك عندما يمارسان الجذب الثقالي عليها. تتسبب قوة الجذب الثقالي للقمر في ارتفاع مياه المحيطات نحوه، كما يحدث ارتفاع آخر على الجانب المعاكس وذلك نظرا لأن الأرض يتم سحبها باتجاه القمر (وبعيداً عن الماء في الجانب البعيد). وبسبب دوران الأرض فإن هذه الارتفاعات تحدث مرتين يومياً (المد العالي A) في أي مكان على سطح الأرض. تتبع ظاهرة المد والجزر نمطاً معيناً مرتبطاً بدورة القمر. فعندما تحدث المحاذاة بين القمر والشمس (القمر الجديد B أو عندما يكون القمر بدراً C) تصبح قوة الجذب الثقالي لكليهما أقوى بكثير، كما يصل المد إلى أعلى مستوى له (المد الربيعي). عندما يكون القمر في الربع الأول (D) أو الربع الثالث (E)، فإن المد يكون في أدنى مستوى له ويسمى المد المنخفض Neap tide . المصدر: Nicola Graf عرض المزيد لا ندري ماهي المسافة التي كان القمر يبعدها عن الأرض عند بداية تشكله، ولكننا نعرف أنه كان يبعد مسافة تزيد عن 12 ألف كم، كما نعرف أيضاً أنه كان أقرب مما هو عليه اليوم (حوالي 384400 ألف كم). ويعني هذا الأمر أنه تسبب في البداية بحدوث مد وجزر أكبر مما تشهده الأرض حالياً. ويعتقد العلماء أن ظواهر المد والجزر في تلك الفترة لعبت دوراً هاماً في تشكل المحيطات، وفي مرحلة التطور الأولى للحياة على سطح الأرض، وذلك قبل نحو 3,8 مليار سنة مضت. وبشكل مثير للاهتمام، يؤثر كل من دوران الأرض وظاهرة المد والجزر على القمر، فهما يعملان معاً على جذب القمر مما يجلعه يدور بشكل أسرع بقليل. وبالتالي كلما ازدادت سرعة دورانه ازداد بعده عن الأرض، وحتى لو كان ذلك بمقدار ضئيل جداً لا يتجاوز 3,82 سم (الشكل 1). السيناريو الأول: ما الذي كان سيحصل للأرض لو لم تمتلك قمراً؟ ما الذي كان سيحصل للأرض قبل 4,5 مليار سنة لو أن ثيا مر بسلام في طريقه دون أن يصطدم بها ودون أن يتسبب في تشكل القمر؟ حسناً، ربما وجدت الحياة على سطح الأرض بشكل أو بآخر، ولكن من المؤكد عدم وجود البشر على سطحها. وهنا عليك التفكير بكل مراحل التطور الطويلة وما احتوتها من تغييرات صغيرة وتعديلات دقيقة أدخلتها الكائنات على بيئاتها. فكل ما يحتاجه الأمر هو حدوث بعض التغييرات الطفيفة على بيئة الأرض كي يؤدي ذلك إلى تغير حاسم في مسار التطور.   تميل السلاحف البحرية إلى وضع بيوضها عند حدوث المد والجزر في فصل الربيع، وذلك عندما تصل هذه الظاهرة إلى أعلى ارتفاع لها. يسمح المدر والجزر للسلاحف البحرية بالسباحة إلى الشاطئ لتضع بيوضها عند أعلى علامة يصل إليه الماء (وهنا تفقس البيوض بمعدل أفضل). المصدر: Kubrak78 / iStockphoto عرض المزيد وفي حالة عدم وجود القمر على الإطلاق فإن الأرض ستكون مكاناً مختلفاً للغاية، إذ سيكون طول اليوم الأرضي بين 8 إلى 10 ساعات فقط نظراً لعدم وجود القمر الذي بلعب دوراً رئيسياً في زيادة عدد ساعاته. كما سيؤدي الدوران السريع للأرض إلى هبوب رياح بسرعات كبيرة للغاية تتراوح بين 160 إلى 200 كم. أما محور الأرض فسيكون مائلاً مما يتسبب في حدوث تغيرات جذرية في درجات الحرارة على مدى آلاف وملايين السنين. وعلى الرغم من استمرار حدوث ظاهرة المد والجذر في المحيطات، إلا أنها ستكون ضعيفة جداً نظراً لأن الشمس هي المصدر الوحيد المتسبب بها. السيناريو الثاني: ماذا لو اختفى القمر فجأة ؟ فلنفترض جدلاً أن القمر قد اختفى فجأة، ما الذي سيحصل في هذه الحالة؟ في الواقع، سنكون نحن وجميع الكائنات الأخرى على الأرض في ورطة حقيقة بكل ما للكلمة من معنى، إذ أننا مررنا بعدة مراحل في مسيرة التطور كي نستطيع العيش في ظل مجموعة محددة من الظروف، ولكننا الآن مضطرون لمواجهة بيئة مختلفة تماماً. تحدث هذه التغيرات على مدى آلاف وملايين السنين، وعلى الرغم من أن هذا النطاق الزمني يبدو طويلاً جداً، إلا أن هذه التغيرات ستحمل في طياتها عواقب وخيمة للغاية.   يتحرك كل من قنديل البحر وفصائل بحرية أخرى بالإضافة إلى العوالق الحيوانية في المياه العذبة صعوداً وهبوطاً وفقاً لنظام حركة يومي. إذا اختفى القمر فإن الأيام على سطح الأرض ستصبح أقصر، وبالتالي ستوجب على الحيوانات التكيف مع ذلك واتباع نظام حركة يتناسب مع اليوم القصير. المصدر: Nicolas Hoizey / Flickr عرض المزيد من دون وجود القمر سيفقد محور الأرض استقراره مما يصعب من إمكانية التنبؤ بدرجات الحرارة. والآن، دعونا نذكر مثالين بخصوص هذا الشأن هما مدينة روما في إيطاليا، ومدينة ستوكهولم في السويد. خلال فصل الصيف، يكون متوسط درجات الحرارة العالية في روما 29 درجة مئوية، أما في فصل الشتاء فيكون متوسط درجات الحرارة العالية 13 درجة مئوية.   أما مدينة ستوكهولم فتبلغ اعلى درجة حرارة في فصل الصيف 20 درجة، أما في فصل الشتاء فتكون 0 درجة مئوية. إذا تغير ميل محور الأرض فإن درجات الحرارة في هاتين المدينتين ستتغير بشكل جذري. حسناً، تخيل لو حدث تبادل في درجات الحرارة بين المدينتين، فإن البنى التحتية (مكيف الهواء أو مركبات جرف الثلج) ببساطة لن تكون في هاتين المدينتين مناسبة لحماية البشر وطعامهم وعملهم. وعليه، سيتوجب على المواطنين الإيطاليين والسويديين أن يتكيفوا مع الظروف الجديدة التي فُرضت عليهم، وإلا سيواجهون خطر الانقراض.   تتزاوج العديد من الحيوانات (الغزال مثلاً) في أوقات محددة من السنة. لذا يمكننا طرح التساؤل التالي: ما هو الأثر الذي سيتركه غياب القمر والفصول الأربعة على هذه الحيوانات؟ المصدر: Alex Groundwater / Flickr عرض المزيد ربما يكون السفر والانتقال أحد الحلول التي سيلجأ إليها الناس والكائنات الحية، ولكن ما الذي سيحصل لبقية الكائنات التي لا تستطيع الانتقال؟ فالشعب المرجانية على سبيل المثال هي نظم بيئية حساسة ومعقدة للغاية، وقد لا تكون قادرة على التكيف بسرعة كافية مع التغيرات الحاصلة في درجات حرارة المياه، وعلى الأرجح ستموت. علاوة على ذلك، ستخسر الأرض نتيجة حدوث تغيرات في درجات الحرارة مناطقها الباردة: أي القطبين اللذين يحتويان على كميات هائلة من الجليد. ومن شأن انصهار melt كميات الجليد تلك أن تتسبب في ارتفاع منسوب مياه المحيطات مما يتسبب في حدوث تغيرات تشمل السواحل في جميع أرجاء العالم. فعلى سبيل المثال، ستغمر مياه المحيطات بعض البلدان كهولندا. إذا اختفى القمر والفصول الموسمية، فكيف سيؤثر ذلك على الأشجار التي نراها في هذه الصورة مكتسية بألوان الخريف الجميلة؟ المصدر: midlander1231 / Flickr عرض المزيد مع وجود اضطراب في ميل محور الأرض فإن الفصول الموسمية ستختفي مما سيترك عواقب بعيدة المدى. يمكن معرفة هذه العواقب عند التفكير بأن العديد من الكائنات الحية تنمو وتتزاوج وتهاجر في أوقات محددة من السنة. وأيضاً، ستؤثر التغيرات الجذرية في درجات الحرارة على المناخ وعلى موسم النمو للنباتات، الأمر الذي يجعل من عملية إنتاج الغذاء لمليارات البشر أمراً بالغ التعقيد.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى