فضاء

التشابك الكمومي الزمني

هل تشعر بغرابة ميكانيكا الكم؟ تعال معنا إلى الأزمنة المتشابكة إذًا… حقوق الصورة: (bestdesigns/iStock) ما هي نظريّة الكم؟ عرفنا أخيرًا وبعد بضعة آلاف السنين من النقاش ممَ تتكون المادة، فهي جسيماتٌ صغيرةٌ تُدعى إلكترونات وكواركات Quarks، تجتمع معًا في عائلاتٍ صغيرةٍ لتكوّن الذرات، مثل: الهيدروجين والأوكسجين، أو جزيئات، مثل: الماء H2O. تُعتبر الذرات والجزيئات قطع الليغو Lego Blocks لعالمنا، ولشرح الطريقة التي يعمل بها هذا العالم الصغير يستخدم العلماء مجموعةً من الأفكار تُدعى نظرية الكم.   تُقدِّم هذه النظرية تنبؤاتٍ غريبة، فعلى سبيل المثال يمكن للجسيمات أن تكون في مكانين في وقتٍ واحدٍ، ومع ذلك، تبقى هذه النظرية الأكثر تصديقًا بشكلٍ دقيقٍ في الفيزياء.   حين يؤثر المستقبل على الماضي في صيف عام 1935، انخرط الفيزيائيان ألبرت آينشتاين Albert Einstein وإرفين شرودنغر Erwin Schrödinger في مراسلاتٍ ثريةٍ ومتعددة الأوجه، وأحيانًا فظيعة، حول الآثار المترتبة على النظرية الجديدة لميكانيكا الكم. كان محور قلقهما هو ما أطلق عليه شرودنغر فيما بعد التشابك Entanglement: وهو عدم القدرة علي وصف نظامين أو جسيمين كمومين بشكلٍ منفصل بعد تفاعلهما.   لقد بقي آينشتاين حتى وفاته مقتنعًا بأن التشابك يظهر انعدام كمال ميكانيكا الكم. فيما كان شرودنغر يعتقد أن التشابك هو السمة المميزة للفيزياء الجديدة، لكن هذا لا يعني أنه قَبِلها بسهولة.   كتب شرودنغر إلى آينشتاين في 13 تموز/يوليو من عام 1935: “أعرف بالطبع كيف تعمل الخزعبلات رياضيًا”. وكان رد آينشتاين واضحًا عندما قال: “لكنني لا أحب نظريةً كهذه”، من الجدير بالذكر أن قطة شرودنغر الشهيرة المعلقة بين الحياة والموت ظهرت لأول مرة في هذه الرسائل، وهي منتجٌ ثانوي لهذا الصراع يبين ما كان يزعجهما.   المشكلة هي أن التشابك ينتهك الكيفية التي ينبغي للعالم أن يعمل وفقها، حيث أنه ينتهك أهم مبادئ نظرية النسبية الخاصة، وهي أنّه لا يمكن للمعلومات أن تنتقل أسرع من الضوء وهذا أولًا.   لكن في الورقة الشهيرة والتي تُسمى بـ مفارقة EPR نسبةً إلى الحروف الأولى لمؤلفيها وهم آينشتاين وبولدوسكي وروزن عام 1935 وعنوانها (هل يُعتبر وصف ميكانيكا الكم للعالم المادي كامل؟)، أظهر آينشتاين والكتّاب المشاركون كيف يؤدي التشابك إلى ما يُسمى الآن اللاتموضع الكمومي quantum nonlocality، وهو الرابط الغريب الذي يبدو أنه موجود بين الجسيمات المتشابكة.   إذا التقى نظامان ومن ثم انفصلا، وحتى إن كانت المسافة الفاصلة بينهما آلاف السنين الضوئية، يصبح قياس خصائص أحدهما، كالموضع والزخم والاستقطاب مستحيلًا دون توجيه الآخر إلى حالةٍ متجاوبةٍ معه وبشكلٍ لحظي، وحتى اليوم اُختبرت معظم التجارب التشابك عبر الفجوات المكانية فقط.   الافتراض هو أن الجزء “غير المتموضع” من اللاموضعية الكمومية يشير إلى تشابك الخصائص عبر الفضاء (المكان)، ولكن ماذا لو حدث التشابك عبر الزمن؟ هل هناك شيء مثل لا موضعية الزمن؟ الجواب كما تبين حديثًا، هو نعم!   حسنًا، إن كنت تعتقد أن ميكانيكا الكم لن تكون أكثر غرابةً إليك الآتي: فقد ذكر فريقٌ من الفيزيائيين في الجامعة العبرية في القدس Hebrew University of Jerusalem في عام 2013 أنهم قد نجحوا في شبك فوتونات لم تتعايش (تتواجد) سويًا أبدًا. وقد أظهرت التجارب السابقة التي تتضمن تقنية تُسمى مبادلة التشابك Entanglement swapping وجود ارتباطاتٍ كموميةٍ عبر الزمن بالفعل، عن طريق تأخير قياس أحد الجسيمات المتعايشة المتشابكة، لكن إيلي مجديش Eli Megidish ومساعديه كانوا أول من أظهر التشابك بين الفوتونات التي لم تتقاطع دورات حياتها أبدًا.   كيف يَعملُ التَّشابُك الكُموميُّ الزَّمنيّ؟ فعلوا ذلك عن طريق تطبيق خطة مُحكمة كالتالي:   أولًا، أنشؤوا زوجًا متشابكًا من الفوتونات، “1-2” (الخطوة الأولى Step I في الرسم البياني أدناه). وبعد فترةٍ وجيزة، قاسوا استقطاب الفوتون 1 (وهي خاصية تصف اتجاه تذبذب الضوء)، مما نتج عنه “قتل” الفوتون 1 في الخطوة الثانية. Provided   بعد ذلك، يُرسل الفوتون 2 بعيدًا بينما يُنشأ زوجٌ جديدٌ متشابكٌ، “3-4” (في الخطوة الثالثة). ثم يُقاس الفوتون 3 جنبًا إلى جنب مع الفوتون 2 المتجول، مما يجعل علاقة التشابك تتبادل من الأزواج القديمة (“1-2” و “3-4”) مع الزوج الجديد “2-3″ (في الخطوة الرابعة).  بعد مرور بعض الوقت (في الخطوة الخامسة)، يُقاس استقطاب الفوتون الناجي الوحيد، الفوتون 4، وتُقارن النتائج مع الفوتون 1 الميت منذ زمن (مرة أخرى في الخطوة الثانية).   بالطبع أنت تتساءل عن النتيجة، وهي بالفعل صادمة! كشفت البيانات عن وجود علاقات ارتباطٍ كموميةٍ بين الفوتونين 1 و4 اللذَين لم يتموضعا معًا زمنيًا، أي أن التشابك يمكن أن يحدث عبر نظامين كموميين لم يتعايشا أبدًا. ماذا يعني هذا؟ هل عدنا إلى المعتقدات القديمة، يبدو الأمر مثيرًا للبلبلة كما القول إن قطبية ضوء النجوم في الماضي البعيد الساحق (ماضٍ سحيق يفصلنا عنه زمن يتجاوز ضعفي عمر الأرض) أثرت على قطبية ضوء النجوم التي تراها خلال تلسكوبك الشخصي في ليلةٍ من ليالي الشتاء!   والأمر الأكثر غرابةً أنّ ذلك ربما يعني ضمنًا أن القياسات التي أجريتها بعينك على ضوء النجوم من خلال تلسكوبك هذا الشتاء أملت على نحوٍ ما قطبية الفوتونات منذ ما يزيد عن 9 مليارات سنة! ولئلا يصدمك هذا السيناريو بشكلٍ غريب، فحتى البروفيسور مجديش وزملاؤه لا يمكنهم مقاومة التكهنات حول التفسيرات المحتملة والمبهمة نوعا ما لنتائجهم.   ولعل قياس استقطاب الفوتون 1 في الخطوة الثانية يوجه بطريقةٍ ما استقطاب الفوتون 4، أو قياس استقطاب الفوتون 4 في الخطوة الأخيرة، بطريقةٍ ما يعيد صياغة حالة الاستقطاب السابقة للفوتون 1. وفي الاتجاهين المباشر والعكسي، تمتد الارتباطات الكمومية إلى الفراغ السببي بين موت فوتون واحد وولادة الآخر.   ربما القليل من النسبية سيساعد على التخفيف من الذهول، في تطوير نظريته للنسبية الخاصة، عزل آينشتاين مفهوم التزامن من قاعدته النيوتونية (نسبةً لنيوتن)، ونتيجةً لذلك، انتقل مفهوم التزامن من كونه مطلقًا إلى كونه نسبيًّا. لا يوجد للكون مؤقتٌ وحيد، فعلى وجه التحديد عندما يحدث شيءٌ ما يعتمد على موقعك الدقيق بالنسبة إلى ما تراقبه، والذي يعرف باسم الإطار المرجعي الخاص بك. لذا فإن المفتاح لتفادي السلوك السببي الغريب (توجيه المستقبل أو إعادة صياغة الماضي) في حالات الفصل الزمني هو أن تقبل أن أحداث الاتصال المتزامنة تحمل القليل من الوزن الميتافيزيقي. إنّها خاصية إطار محدد فحسب، إنّه خيارٌ من عدة خياراتٍ بديلة لكن للجميع قابلية الحياة نفسها، إنها مسألة تقليدٍ أو حفظٍ للسجلات، وينتقل هذا الدرس مباشرةً إلى اللاموضعية الكمومية المكانية والزمنية، وتقابل الألغاز المتعلقة بالأزواج المتشابكة من الجسيمات الخلافات حول الأسماء التي تُحدثها النسبية. ولكن لحسن الحظ، أظهر آينشتاين أنه لا يمكن أن يكون أيّ تسلسلٍ للأحداث مميزًا بشكلٍ ميتافيزيقي (يمكن اعتباره أكثر واقعيةٍ) من أي شيء آخر، وفقط من خلال قبول هذه المسلمة يمكننا أن نحرز تقدمًا في مثل هذه الألغاز الكمومية. إن الأطر المرجعية المختلفة في تجربة الجامعة العبرية (كالمختبر والفوتون 1 والفوتون 4، وهكذا) لها مؤرخين خاصين بها، إذا جاز التعبير، وفي حين أن هؤلاء المؤرخين سيختلفون حول الكيفية التي سارت بها الأمور، لا يمكن لأحدهم أن يدعي وجود زاوية للحقيقة المطلقة، وتتكشف سلسلةً مختلفةً من الأحداث داخل كلٍّ منها، وفقًا لوجهة النظر الزمكانية.   من الواضح إذن أن أيّ محاولة لتخصيص خصائص محددة الإطار بالعموم، أو ربط خصائص عامةٍ بإطار معين، ستسبب نزاعات بين هؤلاء المؤرخين، ولكن هناك شيء يجب أن يكون ثابتًا، ففي حين قد يكون هناك خلافًا منطقيًا حول الخصائص التي ينبغي نسبتها لأي الجسيمات ومتى، لا ينبغي أن يكون هناك خلاف حول وجود هذه الخصائص، والجسيمات، والأحداث. هذه النتائج تقود إلى إسفين آخر يُدق في حدسنا الكلاسيكي والحقائق التجريبية لميكانيكا الكم. وكما كان الحال بالنسبة إلى شرودنغر ومعاصريه، فإن التقدم العلمي سيشمل التحقيق في حدود بعض الآراء الميتافيزيقية.   كما نعلم في تجربة قطة شرودنغر الفكرية، فإنه وفقًا لمبدأ الاحتمال، نصفها ميت والآخر حي، واستُخدمت هذه التجربة لتوضيح كيف يؤدي تشابك الأنظمة إلى ظواهرَ عينيةٍ تتحدى الفهم المعتاد للعلاقات بين الأشياء وخصائصها، فالكائن الحي مثل القطة إما ميت أو حي، ولا يوجد هناك احتمالٌ آخر يتوسط الحالتين. في الواقع، وإلى غاية يومنا هذا فإنّ معظم الحسابات الفلسفية المعاصرة للعلاقات بين الأشياء وخصائصها تستوعب التشابك الكمومي فقط من منظور اللاتموضع المكاني. ولكن لا يزال هناك عملًا كبيرًا يجب القيام به لدمج اللاموضعية الزمنية، ليس فقط في المناقشات المتعلقة بخصائص الأشياء، ولكن أيضًا في المناقشات حول تكوين المواد (مثل العلاقة بين كتلة من الطين والتمثال الذي تشكله)، والعلاقات الجزئية المتكاملة (مثل كيفية ارتباط اليد بالأطراف أو الأطراف بشخص ما). على سبيل المثال، فإن لغز كيفية تناسب الأجزاء مع الجسم الكامل، يفترض حدودًا مكانيةً واضحة المعالم بين المكونات الأساسية، ومع ذلك فإن اللاموضعية المكانية تحذّر من هذا المشهد، إن عدم تحديد الوقت الزمني يزيد من تعقيد هذه الصورة: إذ كيف يصف الشخص كيانًا لا تتعايش أجزاؤه المكونة في نفس الزمن؟ قد تكون معرفة طبيعة التشابك في بعض الأحيان مشروع غيرُ مريح، ليس من الواضح ما هي الميتافيزيقيا الموضوعية التي قد تنشأ من التدقيق في الأبحاث الجديدة الرائعة من أمثال أبحاث مجديش والفيزيائيين الآخرين. في رسالة إلى آينشتاين، يلاحظ شرودنغر بامتعاض (وباستخدام استعارة غريبة): ” لدى المرء شعورٌ بأن أكثر العبارات أهميةً في النظرية الجديدة هي التي يمكن حصرها في هذه الأحذية الإسبانية، ولكن بصعوبةٍ فقط”. لا يمكننا أن نتجاهل اللاموضعية المكانية أو الزمانية في الميتافيزيقيا المستقبلية، سواء كانت الأحذية مناسبة أم لا، علينا أن نرتديها.   المصطلح تعريفه   التشابك الكمومي – Quantum Entanglement هو ظاهرة كمومية ترتبط فيها الجسيمات الكمومية مثل الفوتونات والإلكترونات والجزيئات ببعضها رغم وجود مسافات كبيرة تفصل بينها مما يقود إلى ارتباطات في الخواص الفيزيائية المقاسة لهذه الجسيمات الكمومية. نظرية النسبية الخاصة – Special relativity theory هي نظرية فيزيائية للقياس في إطار مرجعي عطالي اقترحها ألبرت آينشتاين عام 1905، كبديلٍ عن نظرية نيوتن في الزمان والمكان لتحل بشكل خاص مشاكل النظرية القديمة فيما يتعلق بالأمواج الكهرومغناطيسية عامة، والضوء خاصة. وتُدعى خاصة لأنها تعالج حالة خاصة تتعلق بحركة المراجع (المختبرات) بالنسبة لبعضها البعض بسرعة منتظمة وفي خط مستقيم. اللاموضعية – Non-locality هي الخاصية المتواجدة في الحالات الكمومية المتشابكة entangled quantum states، يحدث فيها انهيار متزامن (في نفس الزمن) للدوال الموجية التابعة لهذه الحالات الكمومية، بغض النظر عن المسافة الفاصلة بينهما. وهو ما يشابه فكرة التأثير عن بعد، الأمر الذي طرحه آينشتاين معترضًا في مفارقة (EPR) ومبرهنة بل. الأحذية الإسبانية – Spanish boots   أداة الحذاء هي أداة تعذيب، تقوم على أساس إجلاس الضحية على مقعد خشبي، وتوضع ألواح الضغط على باطن وظاهر كل ساق. هذه الألواح كانت تربط إلى بعضها بشدةٍ أيضًا حيث تُمرَّر لاحقًا قطع خشبية أو حديدية إلى داخل الألواح بواسطة مدق حديدي، وتُدخَل أكثر من أربع إلى ثماني قطع بين الألواح، وكان يؤدي ذلك التعذيب في بعض الأحيان إلى تهشم ساقي المتهم. وقد حصل تطوير لهذه الأداة بحيث برزت أداة جديدة اسمها الحذاء الأسباني وكان هذا الحذاء أيضًا مصنوعًا من الحديد، لكن زُوِّد بآلية براغي وقلاووظ تعمل على ضغط الساق تحديدًا. وإذا تمكن الضحية من تحمل التعذيب بهذه الأداة الحديدية دون أن ينهار، يُسخَّن حديد الحذاء بواسطة الفحم حتى يصبح الضحية غير قادرٍ على تحمل الألم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى