معالم قديمة

معبد فيلة… الجزيرة التي اجتمعت عليها الحضارات

معبد فيلة… الجزيرة التي اجتمعت عليها الحضارات

تعتبر”فيلة” جزيرة أسطورية تقبع في وسط النيل، تقلبت عليها حضارات وديانات وأساطير، عبر معبدها العتيق الذي ظلّ قبلة لعبادة إيزيس، زمناً طويلاً، حتى بعد أن لفظ العهد الفرعوني أنفاسه، وقدم البطالمة والرومان ودعموا عبادة الفراعنة تقرباً للمصريين. وشواهدها المختلفة تؤرخ الحياة الدينية في مصر عبر قرون طويلة.

كان المعتقد القديم أن فيلة هي الجزيرة التي عثرت فيها “إيزيس” على قلب “أوزوريس”، بعد أن قام أخوه “ست” بتمزيق جسده وبعثرته في أركان البلاد الأربعة. وكانت الجزيرة مركزاً للعبادة لعامة الناس.

المعبد الرئيسي في فيلة نما بشكل عشوائي عبر قرون، كما أن بوابة الهيكل نفسها أثر لأجيال لا حصر لها، يظهر فيها التوافق والتداخل والاختلاط بين المعتقدات التي مرت على المكان. فكما توجد تماثيل لإيزيس وحورس وحتحور يوجد تمثال هائل لبطليموس الثاني عشر. ولا يخلو المعبد من صلبان قبطية، ونقش كتابي لجنرال من جيش نابليون يدعى ديسيه، يجسد فيه انتصاره على المماليك سنة 1799م. وفي غرب المعبد الرئيسي يوجد نقش يصور حابي (التجسيد الإلهي للنيل)، وعلى الحائط المواجه يوجد نقش يصور إيزيس تمساحاً يجر جثمان زوجها نحو جزيرة بيجا ليتم الدفن. وفي الأعلى توجد تصاوير لأباطرة الرومان مثل هادريان وماركوس أوريليوس وهما يقدمان القرابين لإيزيس وأوزوريس!

وهو ليس معبداً واحداً، بل هو عبارة عن عدة معابد مجتمعة. أقدمها بني في عصر تحوتمس الثالث (1490-1936 قبل الميلاد). كما يوجد معبد ضخم بناه نخت نيف (378-341 قبل الميلاد) ثم جاء البطالمة ثم الرومان فتعددت المعابد وازدحمت فيلة بها، وأشهرها ما عرف باسم “مخدع فرعون”.

ضريح “إيزيس” من أهم العناصر في هذه المجموعة العتيقة، ويحتوي على ضريح مكرس لزوجها أوزوريس، وبه نقوش جدارية بارزة تصور جهودها في جمع أشلائه المبعثرة. كما يوجد معابد لحتحور، وحرندوس (الذي يجسد بعض صفات حورس)، وأرنسنوبيس (صاحبة إيزيس الطيبة). وأيضاً تحتوي الجزيرة على معبد صغير للمهندس الشهير “إمحتب” الذي يعد أول رجل من العامة يرفع إلى مقام الآلهة.

وبعد سنة 555 م في ظل حكم الإمبراطور الروماني جستينيان الأول، فرضت المسيحية في جزيرة فيلة، وتحولت أعمدة المعبد إلى مكان للديانة الجديدة. وتحوي الجزيرة كنيستين قبطيتين. وفي عهد الفاتحين العرب أطلق على المعبد اسم “أنس الوجود”، وإن كانت فيلة تعني في الهيروغليفية اسم الحبيبة.
بدأت مشكلات معبد فيلة مع بناء خزان أسوان (1898-1902) الذي كان يشرف على إنشائه الاحتلال البريطاني لمصر، حيث كون السدّ خلفه بحيرة طولها 150 كلم. أدت احتجاجات بعض الجهات الثقافية العالمية ذات النفوذ إلى توقف مؤقت عن بناء السد، قبل أن يصل منسوب الماء إلى أعلى مستوى. سخر تشرشل من موقف المعارضين لبناء الخزان، وقال: “إن تقديم 150 مليون قدم مكعبة من الماء قرباناً لحتحور من حكماء الغرب، لهو أكثر الأضاحي في التاريخ قسوة وشراً وغفلة. فعلى الدولة أن تعاني. ويتضور الشعب جوعاً، وذلك لكي يسعد الأساتذة ويجد السياح شيئاً يحفرون عليه أسماءهم”! وقد انتصر في النهاية رأي تشرشل، وصار معبد إيزيس يفيض عليه الماء سنوياً من شهركانون الأول/ ديسمبر إلى آذار/ مارس، فلا يصل إليه الزائرون إلا بقوارب ومجاديف.

ومع بناء السد العالي، كانت الجزيرة ومعابدها معرضة للغرق تماماً، وبمساعدة اليونسكو بدأت مهمة دولية كبرى بعد أن بدأ الماء يلعق قدم إيزيس. وبجهود شاقة تم تفكيك المعبد، وإعادة تجميعه على جزيرة “أجليكا” على بعد 500 متر من موقعه الأصلي، في مهمة اشتملت على نقل 40 ألف مقطع حجري تزن حوالي 20 ألف طن. بدأت عملية إنقاذ معابد فيلة سنة 1972، في حين أدرجتها اليونسكو في قائمة مواقع التراث العالمي سنة 1979.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى