شرائح رئيسيةفضاء

اندماجات النجوم: اختبار جديد تخضغ له نظريتا الطاقة المظلمة والجاذبية

مثال توضيحي فني عن اندماج نجمين نيوترونيين، حيث تمثل الشبكة الزمكانية المتموجة موجات ثقالية تخرج من التصادم، بينما تُظهِرُ الأشعة الضيقة انفجارات من أشعة غاما التي انبثقت بُعيد الأمواج الثقالية بثوانٍ فقط، كما تظهر دوامة سحاب من المواد المقذوفة من اندماج النجمين، إذ يتوهج هذا السحاب بأطوال موجية من الضوء المرئي وأطوال موجية أخرى من الضوء. حقوق الصورة: NSF/LIGO/Sonoma State University/A. Simonnet عندما سجل العلماء تموجًا في الزمكان متبوعًا بغضون ثانيتين بانفجار ضوئي تابع له من خلال عشرات التلسكوبات حول الكوكب، شهدوا التصادم والاندماج المتفجر لنجمين نيوترونيين للمرة الأولى. وتبع هذا الحدث الكوني المثير الذي رُصِدَ في السابع عشر من آب/أغسطس أصداء على الأرض حيث استبعدت نتائج هذا الرصد مجموعةً من نظريات الطاقة المظلمة التي عرفت الجاذبية واعترضت مجموعةً كبيرةً من النظريات. تُعَدُّ الطاقة المظلمة التي تُسرِّع من تمدّد الكون واحدة من أكثر الأشياء الغامضة في الفيزياء، فهي تشكل 68 بالمئة من كافة الطاقة والكتلة الموجودتين في الكون وتؤثر كقوة مقاومة أو مضادة للجاذبية، لكن ليس لدينا تفسير واضح لها بعد، فببساطة بينما تعمل الجاذبية على جذب أجزاء المادة لبعضها، تعمل الطاقة المظلمة على دفع أجزائها بعيدًا عن بعضها البعض. وَلَّد اندماج النجم النيوتروني أمواجًا ثقالية (وهي حركات متموجة في نسيج المكان والزمان كالأمواج الناتجة عن رمي حجر في مستنقع) عبرت نحو 130 مليون سنة ضوئية في الفضاء ووصلت إلى الأرض بنفس سرعة الضوء عالي الطاقة الذي انطلق من هذا الاندماج، واكتُشفت شبكة من الكاشفات المتمركزة على الأرض تدعى ليغو وفيرغو علامات الأمواج الثقالية، ورصد تلسكوب فيرمي الفضائي لأشعة غاما أوّل انفجار كبير من الضوء. إنّ وقت الوصول الفوري التقريبي المتزامن هو اختبار هام لنظريتي الطاقة المظلمة والجاذبية. يقول الباحث ميغيل زومالاكاريغي Miguel Zumalacárregui المختص في الفيزياء النظرية في مركز بيركلي للفيزياء الكونية في المختبر الوطني للطاقة التابع لقسم لورانس بيركلي وجامعة كاليفورنيا في بيركلي: “إن نتائجنا تحقق تقدمًا مهمًا في توضيح طبيعة الطاقة المظلمة، حيث إن أبسط النظريات بقيت، ويتركز الموضوع بشكل رئيسي على تزامن التوقيت”. شارك في هذا البحث خوسيه ماريا إيزكواغا Jose María Ezquiaga الباحث والحاصل على درجة الدكتوراه الذي كان زائرًا في مركز بيركلي للفيزياء الكونية، وقد نُشِر البحث في الثامن عشر من كانون الأول/ديسمبر عام 2017 في مجلة Physical Review Letters. إن نظرية الكون الثابت التي يبلغ عمرها 100 عام، والتي قدمها آلبرت أينشتاين ضمن بحثه في النسبية العامة ونظريات أخرى مشتقة من هذا النموذج بقيت منافسًا قابلًا للتطبيق لأن هذه النظريات اقترحت أن الطاقة المظلمة ثابتة في المكان والزمان وتتأثر الأمواج الثقالية والأمواج الضوئية بالطاقة المظلمة بنفس الطريقة وهكذا تسافر بنفس الوتيرة في الفضاء، ويضيف ميغيل: “التفسير المفضل هو هذا الثابت الكوني، إنه أبسط ما يمكن أن يصل إليه”. تدحض البيانات من اندماج النجم النيوتروني التي رُصِدَت بتاريخ 17 آب/أغسطس سلسلةً من النظريات ومن ضمنها الكثير من تلك المرتكزة على علم الكون الغاليلي من الدرجة الخامسة، يُظهِر هذا الرسم البياني نحو 300 من نظريات غاليلو المتنوعة والنظريات الملونة بالأخضر التي يدحضها حدث الاندماج المرصود. حقوق الصورة: Berkeley Lab, Physical Review Letters هناك بعض النظريات الغريبة والمعقدة التي تصمد أيضًا أمام الاختبار الذي فرضته قياسات الاندماج النجمي، فمثلًا نظرية الجاذبية الضخمة massive gravity التي تفترض وجود كتلة للجسيم الأولي الافتراضي الذي يدعى غرافيتون graviton لا تزال ممكنة وذلك في حال كان للغرافيتون كتلة ولو صغيرة، وبالرغم من ذلك فبعض النظريات التي تقترح أن وصول الأمواج الثقالية سيكون منفصلًا في الزمن عن وصول الإشارة الضوئية الدالة على الاندماج النجمي بفترات أطول بكثير (تمتد لملايين السنين) لا تشرح ما قد رأيناه، ويجب أن تُعدَّل أو تُلغى. يُظهِر البحث أن مجموعة من النظريات التي تُسمَّى نظريات التوتر المدرج scalar-tensor تختبرها عمليات رصد اندماج النجم النيوتروني بالتحديد، ومنها نظريات أينشتاين-آذير، ومثيل موند (التي تتعلق بالديناميكا النيوتنية المعدلة)، والغاليلية، وهورنديسكي، وهي على سبيل المثال لا الحصر، وببعض التعديلات، فإن النماذج المُعترَض عليها يمكن أن تتخطى آخر اختبارات اندماج النجم كما يقول زومالاكاريغي برغم أنها “تفقد بعض بساطتها” في هذه التعديلات. انضم زومالاكاريغي إلى المركز الكوني السنة الماضية وهو باحث حاصل على منحة ماري سكوودوفسكا كوري العالمية ومتخصص في دراسة الجاذبية والطاقة المظلمة، حيث بدأ بدراسة ما إذا كانت الأمواج الثقالية تستطيع أن تقدم اختبارًا مفيدًا للطاقة المظلمة بعد إعلان شباط/فبراير 2016 أن مجموعتي كاشفات الأمواج الجاذبة التي تُسمَّى لايغو (مرصد مقياس التداخل الليزري للأمواج الثقالية) التقطت أولى القياسات المؤكدة، ويعتقد العلماء أن هذه الأمواج تولَّدت من اندماج ثقبين أسودين ليولدا ثقبًا أسود أضخم، ولكن هذا النوع من الأحداث لا يُنتِج انفجارًا ضوئيًّا مصاحبًا، حيث يقول زومالاكاريغي: “نحن نحتاج الاثنين (التدفق الضوئي والأمواج الثقالية) ليس فقط الأمواج للمساعدة في اختبار نظريات الجاذبية والطاقة المظلمة”. وفي دراسة أخرى نُشِرت مع إيزكويزا وآخرين في نيسان/أبريل 2017 لتعرف الشروط النظرية، حيث تستطيع الأمواج الثقالية فيها الانتقال بسرعة مغايرة لسرعة الضوء، وهناك نتيجة أخرى ضمن هذا المجال من الأبحاث تتضمن أنه بجمع الأمواج الثقالية من هذه الأحداث وأحداث كونية أخرى محتملة، سيكون من الممكن استخدام خصائصها على أنها علامات معيارية لقياس معدل تمدد الكون.   تظهر محاكاة المراحل الأخيرة من اندماج نجمين نيوترونيين، يحدث هذا الاندماج المعروض في المحاكاة التصويرية بشكل أسرع عما هو عليه في الواقع، وذلك في أقل من جزء من مئة من الثانية، وتنتج أمواج ثقالية قوية، وهي تصور واحدة من السيناريوهات المحتملة لحدث الاندماج GW170817 الذي رصدته شبكة لايغو-فيرغو لرصد الأمواج الثقالية، وقد تكون نتيجةً الاندماج نجم نيوتروني أو ثقب أسود، والأخير هنا هو المعروض. حقوق الفيديو: W. Kastaun/T. Kawamura/B. Giacomazzo/R. Ciolfi/A. Endrizzi الأمر مشابه لكيفية استخدام الباحثين مميزات الضوء كمصدر قياسي للكشف عن الأجرام السماوية (من ضمنها نوع من النجوم المتفجرة معروفة بالمستعرات الفائقة من النوع Ia supernovae والنجوم النابضة المعروفة باسم القيفاويات) وكذلك لقياس بُعْدِ هذه الأجرام. ويستخدم علماء الكون مجموعة من هذه القياسات لبناء ما يُسمى “سلم المسافة” الذي يستخدم لقياس بعد جسم محدد عن الأرض، لكن هناك بعض التناقضات العالقة، وهي نتيجة لوجود الغبار الفضائي وعدم مثالية الحسابات. كما أنّ جمع المزيد من البيانات من الأحداث التي تُوَلِّد الأمواج الثقالية والضوء يمكن أن يساعد في حل الخلاف حول قياس ثابت هابل، وهو مقياس معروف لمعدل التمدد الكوني. يختلف معدل هابل بقياسات بُعْدِ الانفجارات النجمية عن معدل هابل المأخوذ من المراقبات الكونية الأخرى كما أشار زومالاكاريغي، لذا فإن إيجاد المزيد من العلامات المعيارية مثل اندماجات النجوم النيوترونية يمكن على الأرجح أن يحسن القياسات البعيدة. كما يقول: “قدّم حدث انفجار النجم النيوتروني في آب/أغسطس فرصةً ممتازة غير متوقعة، إذ تُمثِّل الأمواج الثقالية أمرًا مستقلًا لإثبات أو نفي صحة قياسات سلم المسافة، وأنا متحمس جدًا للسنوات القادمة، فعلى الأقل قد تُفَسِّر بعض من هذه النماذج عن الطاقة المظلمة غير المعيارية تناقضات معدل هابل، ربما قلّلنا من أهمية بعض الأحداث أو هناك شيء غير محسوب ولذلك علينا مراجعة أساسيات علم الكون المعيارية التي نعتمد عليها لاكتشاف كوننا، فإذا بَقِيَتْ هذه المعيارية، نحتاج أفكارًا نظرية جديدة بشكل جذري من الصعب تأكيدها من خلال التجربة مثل تعدد الأكوان (الأكوان المتعددة)، ولكن إذا فشل هذا المعيار سنقوم بمجالات تجريبية لاختبار هذه الأفكار”. هناك آلات جديدة وعمليات مسح للسماء ستتواجد على الإنترنت تهدف لتحسين فهمنا للطاقة المظلمة، من ضمنها مشروع جهاز التحليل الطيفي للطاقة المظلمة الذي يقوم به مختبر بيركلي ومن المزمع بدء تشغيله عام 2019. ويدرس العلماء ظاهرة أخرى مثل الخدع البصرية في الفضاء التي يسببها التعديس الثقالي gravitational lensing (وهي تأثيرات ناجمة عن الجاذبية تُسَبِّب للضوء الصادر عن الأجسام البعيدة أن ينحني ويتشوه حول الأجسام الأقرب) والتي ستكون مفيدة أيضًا في القيام بقياسات أكثر دقة. يقول زومالاكاريغي: “يمكن أن يغير طريقة تفكيرنا عن كوننا ومكاننا فيه، وسيتطلب أفكارًا جديدة”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى