فضاء

المادة المظلمة موجودة: الأرصاد تدحض التفسيرات المغايرة

بقدر ما هي آسرةٌ، يظل الغموض يكتنف المادة المظلمة. فهي أحد أكبر الألغاز في الفيزياء الفلكية وعلم الكون. إذ يُعتقد أنها تُشكِّل حوالي تسعين بالمئة من إجمالي المادة في الكون.

ومع ذلك فإنها لم تُفصح عن وجودها إلا تلميحًا، حتى بات – أي وجودها – موضع تساؤلٍ وتشكيك. لكن دراسةً حديثةً أجراها العلماء في المدرسة الدولية للدراسات المتقدمة Scuola Internazionale Superiore di Studi Avanzati الإيطالية أو اختصارًا SISSA أزالت الشكوك المُثارة حول حقيقة وجود المادة المظلمة داخل المجرات، داحضةً بذلك التفسيرات البديلة التي حاولت تبرير النتائج التجريبية.

نُشرت الدراسة في مجلة Astrophysical Journal، وتعطي هذه الدراسة فهمًا أعمق عن ماهية المادة المظلمة وعلاقتها بالمادة العادية. توجد العديد من الظواهر التي لا يُمكن تفسيرها بالمادة الهادرونية (العادية) لوحدها، منها على سبيل المثال توسع الكون وحركة النجوم داخل المجرات.

فقوة الجذب الناتجة عن تلك المادة – أي المادة العادية – لا تكفي لتفسير الآثار الثقالية المٌشاهدة. وهو ما قاد إلى افتراض وجود مادةٍ غير قابلةٍ للكشف سُميَّت بالمادة المظلمة ∗ dark matter وتحوم المجرات في محيطها. يشرح الطالب في مرحلة الدكتوراه في SISSA تشيارا دي باولو Chiara Di Paolo سبب الشكوك حول وجود المادة المظلمة. فمنذ ثلاثة أعوام تحدى بعض العلماء من جامعة Western Reverse فهمنا للكون وقدرًا من البحوث المعمقة للعديد من الباحثين من خلال إثارة الشكوك حول وجود المادة المظلمة في المجرات.

فمن خلال تحليلهم لمنحنيات الدوران لثلاثٍ وخمسين ومئة (153) مجرة من المجرات الحلزونية التقليدية، أوجدوا علاقةً تجريبية empirical ما بين التسارع الثقالي الكلي للنجوم (المرصودة في المجرة) والكمية التي سنشاهدها في حال وجود المادة العادية فقط وفق نظرية نيوتن التقليدية. دفعت هذه العلاقة التجريبية، التي بدت أنها صالحةٌ في جميع المجرات التي درسوها ومهما كان نصف قطر المجرة، إلى طرح تفسيراتٍ للتسارع الثقالي لا تتطلب وجود المادة المظلمة التي تحوم حولها الشبهات، بل تستعين – على سبيل المثال – بتعديل التحريك النيوتني modified Newtonian dynamic أو ما يعرف اختصارًا باسم MOND.

أراد دي باولو والمشاركون معه في الدراسة التحقق من هذه العلاقة، فحللوا منحنيات الدوران لمجرات من أنواع غير الحلزونية التقليدية، فدرسوا اثنتين وسبعين مجرةً من ذوات السطوع السطحي المتدني low surface brightness أو اختصارًا LSB، وأربعةً وثلاثين مجرةً من مجرات القرص القزم dwarf disc

. وعملوا عن توسيع دراستهم لتشمل، إضافةً لعلاقة التسارع الكلي والمركبة المتعلقة بالمادة العادية، نصف قطر وتشكُّل المجرة. لقد درسوا العلاقة ما بين التسارع الكلي ومركبته المتعلقة بالمادة العادية في ستةٍ ومئة مجرةٍ بالإجمال، وحصلوا على نتائج تخالف ما حصل عليه سابقوهم. ويفسِّر أحد الباحثين المشاركين في الدراسة بأن هذا لا يُشير إلى عدم الدقة في العلاقة التجريبية السابقة وحسب، بل إنه يزيل الشكوك المُثارة حول وجود المادة المظلمة في المجرات. كما أن العلاقة الجديدة المكتشفة يمكنها تقديم معلومات حاسمة في فهمنا ماهية وطبيعة الجزء المجهول، أي ما ندعوه المادة المظلمة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى